صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

المشَّغّل.. والشغّيل

قبر حيرام في منطقة صور (أرشيفية)

قبر حيرام في منطقة صور (أرشيفية)

أحمد فرحات

كثرة كاثرة من الكتب والدراسات والمباحث والمقالات صدرت، ولا تزال تصدر، حول الماسونيّة ومفاهيمها وتاريخها وأهدافها وأحابيلها السياسية و«الإيديولوجية»، الآيلة إلى السيطرة على مقدّرات الأمور في دول العالم، والتحكّم من خلالها بمصائر الشعوب والأقوام، وتكريسها لخدمة أغراضها وترجمة نواياها التكتيكيّة منها والاستراتيجيّة.
غالبية هذه المطبوعات، خصوصاً في بلداننا العربية، تلتقي حول مشبوهيّة هذه الحركة وباطنيّتها وسريّة إدارتها من طرف جهات يهودية عالميّة نافذة. ومن يعاين دساتير الماسونيّة ونظمها ورموزها وسياقات توظيفها للتاريخ، يتأكد له ذلك، فبدءاً من وصف بناء هيكل سليمان، الذي تسعى الماسونية إلى فرض ثقافة ربط نشأتها به، إلى التوراة وسردها لعملية استدعاء سليمان للمعلم «حيروم أبي» من مدينة صور الفينيقية (ابن الأرملة)، والمعروف بهندسته لبناء هيكل سليمان، وتركيزه بشكل خاص على الأعمدة الرامزة إلى الحكمة والقوة والجمال، والتي حاكى ويحاكي «الإخوة الماسون» في تشييدهم لمحافلهم اليوم أسس هندستها العامة، وازدهائهم الحماسي كذلك بنجمة داود السداسيّة، التي تتصدّر واجهات تلك المحافل وشعاراتها بهذه الطريقة أو تلك.. كل ذلك يوحي بهذا الترابط الوثيق بين الحركة الماسونية من جهة والصهيونية العالمية من جهة ثانية. ومن هنا وجدنا البعض يقول إن الصهيونية قرينة الماسونية، غير أن الصهيونية يهودية بحت، في شكلها وأسلوبها ومضمونها وأشخاصها، في حين أن الماسونية يهودية مُبطّنة تُظهر شعارات إنسانية عامة، ينطوي تحت لوائها غير اليهود أيضاً ممن لديهم مصالح ماديّة ومعنوية عديدة معهم.
ومن الأدلة اليقينية على يهودية الماسونية ما نقرأه في العدد الخامس من الصحيفة اليهودية «لافارينا إسرائيليت» الصادرة في العام 1861: «إن روح الحركة الماسونية هي الروح اليهودية في أعمق معتقداتها الأساسية. إنها أفكارها ولغتها، وتسير في الغالب على تنظيمها عينه، وأن الآمال التي تنير طريق الماسونية وتسند حركتها، هي الآمال نفسها التي تساعد وتنير طريق إسرائيل، وتتويج نضالها سيكون عند الظفر بذلك المعبد الرائع (معبد سليمان) الذي ستكون أورشليم رمزه وقلبه النابض».
ويتفرّع عن الماسونية كحركة «إيديولوجية» استقطابيّة، خصوصاً للنخب الثقافية والسياسية والاقتصادية في المجتمع، أندية معينة، يرى البعض أنها تمهّد وتغربل وتهيّئ روادها للوصول إلى معارج الماسونية بدرجاتها الـ33، مثل أندية الروتاري والليونز، إذ أن من ينتسب إلى عضوية هذه النوادي في عواصم العالم ومدنه المركزية كافة، يُهيّأ له، مع تراكم حضوره ومداولاته مع رموز هذه النوادي، أنه صار من النخب والأخيار، ما يصحّ انتقاله بعد ذلك إلى رحاب المحافل الماسونية، والبدء خلالها في الانخراط في مراحل «دروسها» ذات التعاليم والوصايا السرية أو الخفيّة مُحكمة الأبعاد والتنظيم. ولا غرو، فالماسونيّة كانت تُسمّى من قبل «القوة الخفيّة»، لكنها بدّلت اسمها بالماسونيّة منذ بضعة قرون لتتخذ من محافل «البنّائين» أو «الإخوة ماسون» ستاراً تلوذ به، ولافتة «شرعيّة» و«قانونيّة» تعمل من خلالها.

لبنان محجّة الإخوة الماسون
ومن بين الدول العربية والأجنبية، يُعتبر لبنان (خصوصاً قبل الحرب الأهلية) البلد الأول في العالم من حيث الأهمية الرمزية والتاريخية للماسونيين، كونه يُشكّل محجّة واجبة الزيارة لكل فرد من ماسونيي العالم قاطبة. أما السبب فيعود إلى وجود قبر «حيرام أبي» أو «حيروم أبي» على أرض لبنان، فهذا القبر كما يقول بعض عتاة الماسون «ذو طابع تاريخي مميز للغاية»، وهو الذي جعل من لبنان «بلد الرسالة الماسونيّة وحرية الفكر والمعتقدات والتآخي، الذي يسعى دائماً إلى العطاء الأفضل للإنسانية المعذبة». وفي المناسبة يقع قبر «حيرام أبي» في قرية «حناويه» بالقرب من مدينة صور في جنوب لبنان، وكان يزور هذا القبر - قبل الحرب الأهلية اللبنانية طبعاً - مئات الآلاف من الماسونيين سنوياً، يحجّون إليه ويتبرّكون منه، وغالباً على هيئة سيّاح مفتونين بالآثار الفينيقية وغير الفينيقية في مدينة صور، التي تعتبر واحدة من أهم الحواضر الفينيقية في التاريخ القديم، بشهادة كبار مؤرّخي الشرق والغرب.
وعندما غزت إسرائيل لبنان في العام 1982 ألقى مناحيم بيغن، الذي كان يومها رئيس وزراء دولة الكيان، خطاباً عرمرمياً ملفّقاً، استوحى خلاله سيرة «حيرام أبي»، ودعا فيه اللبنانيين والعرب إلى الاعتراف بإسرائيل والاحتذاء بسيرة ملك صور أحيرام، الذي أرسل إلى النبي سليمان الحكيم، المعماري الفينيقي «حيرام أبي»، ليشرف هندسياً على بناء هيكله. ويدّعي الصهاينة بحماسة، والماسونيون معهم، أن أحيرام ملك صور، كان محبّاً لداود كل الأيام، وكان يتبادل معه الهدايا والعطايا، فضلاً عن نسجه أفضل العلاقات السياسية والتجارية والاقتصادية بين مملكتيهما، وعندما مات داود وخلفه ابنه سليمان، أرسل الملك الصوري وفداً إلى سليمان لتهنئته بالمُلكْ الجديد. ويقول أحد الباحثين «إن المؤرخين اليهود الذين يروون عن صداقة حيرام للملِكين اليهوديين، لا يخفون أن غنى سليمان وازدهار عاصمته، كانا نتيجة صداقته وتحالفه مع جيرانه الصوريين. ولقد بلغ إعجاب اليهود بملك صور درجة جعلتهم ينسجون حوله كثيراً من الخرافات والأساطير، وما وصف حزقيال له، وتشبيهه بملاك في الفردوس، يتمشى على جبل الله المقدس بين الحجارة الكريمة، إلا التوكيد على ما تبقّى في ذاكرتهم من تقدير عميق لهذا الملك الصوري العظيم».
هذا وقد نبش جنود الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان في العام 1983 قبر حيرام، وعبثوا بمحتوياته، ثم عمدوا إلى القيام بحفريات بالجوار منه، بحثاً عن رموز ميثولوجية توراتية تتطابق وخيالاتهم المريضة. كما عبثوا بكامل آثار مدينة صور التاريخية وجرفوا المدافن والأسواق القديمة وغنموا عشرات، بل مئات، القطع الأثرية، التي تعود إلى زمن الفينيقيين، وزمن البيزنطيين، بحسب بيان لمديرية الآثار اللبنانية، التي صرّح مسؤول فيها وقتها بأن الجنود الإسرائيليين كان يصطحبون معهم مؤرّخين ورجال آثار ماسونيين من هولندا وبريطانيا والولايات المتحدة وبولونيا وهنغاريا، ممن يقدسون المعماري الفينيقي «حيرام أبي». وعندما عاد هؤلاء إلى بلدانهم نصحوا جماعات الماسون في بلدانهم بالحج إلى قبر حيرام، حتى في ظل الأمن المضطرب وخطر الحرب الناشبة بين إسرائيل ولبنان، مؤكدين وقتها «بأن إسرائيل تحمي على طريقتها كل ماسوني يودّ الحج إلى قبر حيرام في لبنان، لأنها هي من يرعى الحركة الماسونية داخل العالم العربي، وفي بلدان العالم أجمع».

المبالغات الأسطورية للماسون
ويمكن القول بيقين إن الماسونيين يبالغون كثيراً في الحديث عن حركتهم السرية الغامضة والمغلقة، وخصوصاً عندما يربطونها بالعديد من الجمعيات السرية، التي قامت في التاريخ، وبعض هذه الجمعيات يفبركونها من بنات أفكارهم مثل «جمعية الكهانة المصرية»، وهي جمعية لا وجود لها بإجماع المؤرخين المصريين، الأحياء منهم والراحلين.
ويعترف، من جهة أخرى، أحد كبار الماسونيين المصريين من أصل لبناني: جرجي زيدان، بتباين آراء مؤرخي الماسونية و«أساتذتها العظام» في ما خصّ نشأتها، إذ يقول في كتابه المعروف «تاريخ الماسونية العام»: «للمؤرخين في منشأ هذه الجمعية أقوال متضاربة، فمن قائل بحداثتها، فهي على قوله لم تدرك وراء القرن الثامن عشر بعد الميلاد، ومنهم من سار بها إلى ما وراء ذلك، فقال إنها من «جمعية الصليب الوردي» التي تأسست سنة 1616 بعد الميلاد، ومنهم من أوصلها إلى الحروب الصليبية، وآخرون تتبّعوها إلى أيام اليونان في الجيل الثامن قبل الميلاد، ومنهم من قال إنها نشأت في هيكل سليمان، وفئة تقول إن منشأ هذه الجمعيّة أقدم من ذلك بكثير، فأوصلوها إلى الكهانة المصرية الهندية وغيرها، وبالغ آخرون في أن مؤسسها آدم، وبعضهم تجاوز كل حدّ عندما قال إن الله سبحانه وتعالى أسّسها في جنّة عدن، وإن الجنّة كانت أول محفل ماسوني، وميخائيل رئيس الملائكة، كان أول أستاذ أعظم فيه، إلى غير ذلك من الأقوال المبنيّة على مجرد الوهم».
هكذا، لا يحتاج هذا الكلام الذي ساقه جرجي زيدان إلى دليل يُبيّن هجانته واضطراب مضمونه وتأرجحه في مشهدية الأسطرة المفكّكة، وكل ذلك لإعطاء صورة خرافيّة عن الماسونيّة تزيد من حيرة الماسونيين أنفسهم، كما تزيد من الرهبة في أروقة عقولهم قبل قلوبهم. ويندغم زيدان في لعبة التضليل والبلبلة «المرجعية» هذه، حين يعمد بنفسه إلى تحديد تاريخ ثابت لنشأة الماسونية فيقول في كتابه سالف الذكر: «إن مهد هذه الجمعية رومية، وأول اجتماع التأم تحت اسم البناية كان في سنة 715م. وبأمر من نومابومبيليوس، وتحت عنايته».
وفي ما يشبه الارتداد على كل الكلام «المرجعي» السابق، يعود جرجي زيدان فيفاجئنا باتفاقه مع القائلين بأن الماسونية بنظامها المعروف اليوم، كانت قد نشأت في العام 1717م. يقول: «يبتدئ تاريخ الماسونية الحديث، أو الماسونية الرمزية، من سنة 1717م. وقد قيل لها رمزية، لأن الأدوات التي تُستعمَل فيها تختص بالبناء العملي. وقد كان البناؤون العمليون يستعملونها في البناء، فلما انتقل موضوع هذه الجمعية من صناعة البناء إلى الفضيلة والعلم، حافظوا على أدوات البناء وعلى كثير من القوانين الأساسية القديمة، لكنهم جعلوا مدلولاتها رمزية يرمزون بها لأدوات العمران البشري كالفضيلة والاستقامة والبرّ وما شاكل».
واستناداً إلى كتابات جرجي زيدان، ومعه شاهين مكاريوس، وهو قطب ماسوني مصري آخر من أصل لبناني، فإنّ أقدم وجود للماسونية الحديثة في الوطن العربي، كان في القاهرة في العام 1798م. وتحديداً بعد حملة نابليون، الأستاذ الماسوني الأول في فرنسا وقتها، وقد أنشأت الجماعة الماسونية محفلها تحت اسم «محفل إيزيس»، وكرّت بعدها سبّحة قيام المحافل الماسونيّة المصرية الأخرى مثل «محفل الأهرام» – 1845 و«محفل الشرق الأعظم الفرنسي» - 1848، و«محفل نهضة اليونان» – 1863 و«محفل النيل» – 1868. وكان روّاد هذه المحافل جميعاً يتداولون شؤونهم بلغات أجنبية، نظراً لأن أغلبية الأعضاء المنتسبين إلى هذه المحافل كانوا من الأجانب الذين يقطنون مصر. أما أول محور يتحدث أعضاؤه باللغة العربية في أرض الكنانة، فكان «محفل نور مصر».
وإذا كان البعض يُميّز بين الأمس واليوم في مسار الحركة الماسونيّة الحديثة، خصوصاً في مصر، قائلاً، مثلاً، إن الماسونيّة في نشأتها كانت حركة إيجابية استقطبت العديد من وجوه النهضة، أمثال جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وسعد زغلول، الذي ظلّ ماسونياً حتى آخر يوم من حياته (مثالاً لا حصراً)، لكن سرعان ما تحوّلت هذه الحركة إلى تيار معاد للوطنية المصرية والعربية، لطّخ تاريخ الأسماء - الرموز التي انتسبت إليها، إما عن دراية بأبعاد أمر الحركة نفسها.. أو العكس، ولاسيما بعدما تكشّفت أوراق الماسونية الحديثة في مصر وسورية والعراق عن علاقات مباشرة لأعضائها بإسرائيل، واضطرار الحكومة المصرية لاحقاً، أي في ربيع العام 1964، إلى إصدار قرار مبرم يقضي بإغلاق جميع المحافل الماسونية على أرض مصر، وأولاها «النادي الماسوني الإنجليزي»، الذي كان استشعر القيّمون عليه خطر حصاره والاستيلاء على وثائقه السرية مسبّقاً، فعمدوا إلى تهريبها إلى لندن قبل فوات الأوان.. ونجحوا في ذلك. ويقول شاهد عيان على ما رآه بنفسه في «النادي الماسوني الإنجليزي»، والكائن في شارع طومسون في القاهرة، إن النادي من الداخل، كان زاخراً بالأعلام التي تتصدّرها نجمة داود، وبينها علم إسرائيل الرسمي، فضلاً عن لوحات ومطبوعات ووثائق سياسية بريطانية - إسرائيلية خطيرة، هُرّبت كلها إلى الخارج قبل الاستحواذ عليها. وكانت الحكومة المصرية وقتذاك قد طلبت من سائر الجمعيات الماسونية وغير الماسونية في مصر، تطبيق قانون الجمعيات الجديد عليها، والقاضي بإخضاع سائر الجمعيات لمراقبة وزارة الشؤون الاجتماعية، ويكون للمسؤولين في الوزارة، بموجب ذلك، حق التفتيش الدوري لكل جمعية من هذه الجمعيات، بغية التأكّد من عدم مخالفتها القوانين مرعية الإجراء.

الإخوان المسلمون والإخوان الماسون
من جهة أخرى، وفي حوار لنا مع الصديق والناقد المصري الراحل د. علي شلش، الخبير بالماسونية في مصر والعالم العربي، أجاب بعدما طرحنا عليه السؤال/ اللغز، المتعلق بدواعي انخراط بعض الرموز الفكرية والأدبية والسياسية والتحررية النهضوية العربية بالحركة الماسونية: «إنني لا أشك البتة بالمعرفة المسبّقة للرموز الوطنية والفكرية والنهضوية العربية بالحركة الماسونية ودواعي نشأتها واستهدافاتها، ولكنهم انخرطوا فيها ظنّاً منهم أنهم الأقدر على استيعابها والاستفادة منها، وذلك بالمقارنة مع استفادتها هي منهم واستيعابها لهم. ولكن عندما استفحل أمر إسرائيل، وجرائم حروبها وانتهاكاتها المستمرة للحقوق الفلسطينية والعربية، لم يعد بإمكان الأعضاء العرب المنتسبين إلى الماسونية (وخصوصاً من أجيال الموجات الجديدة) تغطية شمس فضائحهم بالغربال، فترك البعض منهم هذه الحركة السرية المريبة، فيما البعض الآخر، لا يزال على حاله يعمل من خلف الستار».
على أن أبرز الذين كانوا وما زالوا مرتبطين عضوياً بالحركة الماسونية، واستطراداً بالصهيونية العالمية على الساحة العربية، فهم بكل يقين جماعة الإخوان المسلمين، خصوصاً في مصر وسورية والأردن، فهؤلاء منذ نشأتهم وحتى اليوم، ما انفكوا يواصلون مشوار التخريب والإضرار بأوطانهم وشعوبهم، خدمة لأعداء العرب ودينهم الحنيف. وفي هذا الصدد، وحتى لا يتهمنا أحد بالتجنّي عليهم في كل شاردة وواردة، لا نملك إلا أن نقدّم الأدلّة الدامغة، والقرائن الثابتة عليهم من داخل بيتهم بالذات، ومن الأشخاص الذين كانوا ذات يوم جزءاً لا يتجزأ من نسيجهم الدعوي. وفي هذا المضمار يبرز ساطعاً اسم المحامي ثروت الخرباوي، وهو أحد قياداتهم السابقين في مصر، وقد خرج من صفوف الجماعة في العام 2003 وأصدر كتاباً أثار ضجّة في الأوساط الفكرية والثقافية المصرية والعربية تحت عنوان: «سر المعبد» أكّد فيه أن الإخوان المسلمين في النتيجة، هم عبارة عن تنظيم ماسوني خطير جداً ومشبوه جداً.. جداً، وأسراره دوماً مركوزة لدى كبار قادتهم. وهم بنظره يضمرون «حقائق مفزعة لا يعرفها معظم أفراد الحركة».. «والأسرار لديهم محفوظة عند الكهنة الكبار في صندوق خفيّ لا يستطيع أحد أن يطّلع على ما فيه».
ويشير الخرباوي في كتابه المذكور، إلى أنه وبينما كان طالباً في الحقوق، وقع على كتاب للشيخ محمد الغزالي، قرأ فيه بأن المرشد الثاني لجماعة الإخوان المسلمين حسن الهضيبي كان ماسونياً، فلم يصدق الأمر وقتها، وظنّ أن الشيخ الغزالي يبالغ في الاتهام. وبعد عودته مؤخراً إلى كتاب الشيخ الغزالي، وجد الخرباوي صحة تحليل مضمون ما قاله الغزالي في حسن الهضيبي منذ سنوات طويلة. ويقتطف (أي الخرباوي) من كتاب الشيخ الغزالي قوله: «إنه لم يشعر أحد بفراغ الميدان من الرجالات المقتدرين في الصف الأول من الجماعة المسمّاة «الإخوان المسلمين» خلال يوم مقتل حسن البنا، وهو في الأربعين من عمره. لقد ولّى الأقزام على حقيقتهم بعدما ولّى الرجل الذي طالما سدّ عجزهم، وكان في الصفوف التالية من يصلحون بلا ريب لقيادة الجماعة اليتيمة، ولكن الحاقدين الضعاف من أعضاء مكتب الإرشاد حلّوا الأزمة، أو حُلّت بأسمائهم الأزمة، بأن استقدمت للجماعة رجلاً غريباً عنهم ليتولّى قيادتها، وأكاد أوقن بأن وراء هذا الاستقدام أصابع سريّة عالمية، أرادت أن تدوّخ النشاط الإسلامي الوليد، فتسللت من خلال الثغرات المفتوحة في كيان جماعة هذه حالها، وصنعت ما صنعت، ولقد سمعنا كلاماً كثيراً عن انتساب عدد من الماسونيين، بينهم الأستاذ حسن الهضيبي نفسه، لجماعة الإخوان المسلمين، ولكنني لا أعرف بالضبط كيف استطاعت هذه الهيئات الكافرة، أن تخنق جماعة كبيرة على هذا النحو الذي فعلته، وربما كشف المستقبل أسرار هذه المأساة؟».
من جهة أخرى يكشف الخرباوي عن ارتباط سيّد قطب، وهو أحد أخطر قيادات الإخوان المسلمين، بالماسونية العالمية، بدءاً من الكتابة في الصحف الماسونيّة، التي يُمنع على غير الماسونيين الكتابة فيها، وكان سيد قطب من أشد المُرَحبّ بهم للكتابة في صحيفة «التاج المصرية» الماسونية، وانتهاء بسائر الخطوات الشريرة والفوضوية، التي كان يقوم بها لضرب مصر وطناً وإنساناً وموقعاً استراتيجياً. ولا بدّ من التذكير هنا بأن كتاب «معالم على الطريق» لسيد قطب، كان ولا يزال بمثابة «الدستور المقدس» لتشريع سياسة العنف والدم والخراب لدى الإخوان، والتي ما انفك هؤلاء يترجمونها في مصر وخارج مصر حتى اللحظة.
كما يكشف ثروت الخرباوي في «سر المعبد» عن ماسونية مصطفى السباعي (1915 – 1964)، مراقب الإخوان المسلمين في سوريا، وهو أحد المقربين جداً من مؤسّس تنظيم جماعة الإخوان في مصر حسن البنا (1906 – 1949)، وظلت الصلة بينهما قائمة وقوية، حتى بعد عودة السباعي إلى سورية، وتأسيسه تنظيماً للإخوان فيها، يحاكي بتجربته تماماً نظيره المصري، والبعض يعتبر التنظيم الإخواني السوري فرعاً من التنظيم الإخواني المصري الأم. وحتى لا يقتصر استشهادنا على الخرباوي وحده، نُذكّر هنا بما كان قد اعترف به علي عشماوي، وهو آخر قادة التنظيم السرّي للإخوان المسلمين في كتابه «التاريخ السري لجماعة الإخوان المسلمين».. بأنه «عندما قابل سيد قطب بعد خروجه من السجن في منزله في حلوان، أكد له قطب أن بعض كبار الإخوان يعملون لحساب الأجهزة الغربية والصهيونية، وعلى رأسهم الحاجة زينب والأستاذ عبد العزيز علي، اللذان يعملان لحساب المخابرات الأميركية، وحذره من الاتصال بهما، وإنهما يقابلان بين الفينة والأخرى في بريطانيا رجالاً من الأمن الإسرائيلي في ثوب منظّرين أذكياء لدعاوى الماسونية، «المحبة» للأديان جميعاً وللأخوة والسلام والخير بين البشر.
وتحت الشعار الماسوني المثلث: «حرية، مساواة وإخاء» أطاحت الماسونيّة بحرية الكثير من الشعوب ونهضة دولها، ودخلوا مع الحركات التي استنبتوها في بلادنا، باسم الإسلام زوراً وبهتاناً، وعلى رأسها حركة الإخوان المسلمين، في العمل الدؤوب والمتواصل للحدّ من نمو حركة شعوبنا ودولنا وتطورها وحداثتها.. وإغراقها، استطراداً، في صراعات دموية مفتوحة، كفيلة، ليس بشلّ نهضتها الشاملة المفترضة فقط، وإنما بردّنا مئات السنين إلى الوراء، حيث الاستنقاع الدائم في الجهل والتخلف وفضاء البدع والخرافات.

جرجي زيدان المتعدد
جُرجي حبيب زيدان (14 ديسمبر 1861م - 21 يوليو 1914م) أديب وروائي ومؤرخ وصحفي لبناني. أجاد فضلاً عن اللغة العربية؛ اللغات العبرية والسريانية والفرنسية والإنجليزية. أصدر مجلة الهلال التي كان يقوم بتحريرها بنفسه في ربيع الأول 1310 هـ الموافق لعام 1892، ونشر فيها كتبه. له من الكتب كتاب «تاريخ التمدن الإسلامي» و«تاريخ آداب اللغة العربية» و«تراجم مشاهير الشرق» وغيرها، فضلاً عن اشتهاره برواياته التاريخية مثل «المملوك الشارد» و«أرمانوسة المصرية» وغيرها.
هاجر زيدان إلى مصر والتحق بكلية الطب إلا أن ظروفه المادية جعلته يبحث عن عمل. فعمل في تحرير جريدة «الزمان» التي كان يملكها رجل أرمني الأصل وكانت هذه الجريدة هي الوحيدة في القاهرة بعد أن أوقف الاستعمار الإنجليزي صحافة ذلك العهد، ثم عمل مترجما في مكتب المخابرات البريطانية بالقاهرة ورافق الحملة الإنجليزية التي توجهت للسودان لإنقاذ القائد الإنجليزي «غوردن» من حصار جيش المهدي، عاد بعدها لبيروت عام 1885 وانضم للمجمع العلمي الشرقي الذي أنشئ عام 1882 وتعلم اللغتين العبرية والسريانية وهو ما مكنه من تأليف أول كتاب في فلسفة اللغة العربية عام 1886. ثم زار إنجلترا وعاد إلى مصر منقطعاً إلى التأليف والصحافة.

كيرك دوغلاس في صور
التقى كاتب هذه السطور شخصياً بالممثل الأميركي الشهير كيرك دوغلاس، وهو صهيوني وماسوني كبير (من أصل روسي)، كان يزور لبنان متنكّراً بشخصية أخرى، ولكن باسمه الحقيقي غير المتداول هذه المرة: آيسور دانيالوفيتش، إبان الحرب الأهلية اللبنانية المستعرة في أوائل الثمانينيات من القرن الفائت، فقط ليزور قبر حيرام ويتبرّك منه.
وكان دوغلاس يومها يأتي بمعيّة مغترب لبناني في الولايات المتحدة يدعى محمد جابر حبيب، يحمل الجنسية الأميركية منذ عقود طويلة، وكان من المعجبين جداً بأفلام كيرك دوغلاس، ويرتبط بصداقة شخصية معه.
وقد التقيت الرجلين في أحد مطاعم مدينة صور، عبر صديق كان يعرف بقصة حج كيرك دوغلاس إلى قرية «حناويه» اللبنانية شرق صور، حيث مدفن رمز الماسونيين و«نبيهم» التاريخي.

«اللطائف» الماسونية
من المعروف إن أول مجلة ماسونيّة صدرت في مصر كانت مجلة «اللطائف» لصاحبها شاهين مكاريوس، وقد أصدرها في عام 1886.. وقد استمرت هذه المجلة بالصدور مدة 25 سنة، وكان سبب توقفها موت صاحبها في عام 1910، ولكونه كان أستاذاً أعظم بين الماسون، أنشأ مكاريوس في عام 1891م. محفلاً ماسونياً سمّاه «محفل اللطائف»، وقد تحلّق حوله الكثير من الماسونيين المصريين واللبنانيين والسوريين والعراقيين ممن استوطنوا مصر في ذلك الزمن.بعد ذلك، أي في عام 1942م. كانت قد صدرت في مصر مجلة ماسونية أخرى تدعى «الأيام» للماسوني الناشط حسين شفيق المصري، استقطبت جمهوراً واسعاً من القراء، مال بعضهم، كما ذكر هو بنفسه، إلى الانخراط الجدّي في الحركة الماسونية، ووصل إلى مراتب عليا في السٌلّم التراتبي الماسوني.