الاتحاد

ثقافة

احذروا: العالم يرجع إلى الوراء.. هِياجُ الشعبَويّات

 الأيديولوجيات الشمولية على اختلافها تقوم على الولاء المطلق وغياب التنوع مما يسهم في تفشي التطرف

الأيديولوجيات الشمولية على اختلافها تقوم على الولاء المطلق وغياب التنوع مما يسهم في تفشي التطرف

إميل أمين

هل بات انفجار الشعبَويّات قدراً مقدوراً في زمن منظور، وإذا كان الأمر كذلك فهل يعني المشهد أننا أمام ردة تاريخية عن المضي في سياق الأسرة الكونية الواحدة؟ من المسؤول عن عالم الشعبَويّات المخيف الذي تمضي البشرية في طريقه تترى؟ وما هي الضرائب التي ستتكبدها الإنسانية إذا لم يتم إيقاف هذا المد العنصري الذي لن يلبث أن يعيد سيرة المواجهات العقائدية، وربما يدفع الإنسانية مرة أخرى في طرق التناحر الديني، وكأن عالم ما بعد العلمانية الجافة هو الأصوليات والقوميات الشعبَويّة المتطرفة؟ أسئلة مثيرة للتأمل نحاول تفكيكها بعيداً عن التعقيدات الإيديولوجية.
أسئلة عديدة تطرحها ظاهرة تنامي القوميات العرقية، وظهور الحركات الشوفينية الآخذة في التعصب، وقد أجمع الكثيرون على أن لفظة الشعبَويّة باتت كلمة سيئة السمعة، لأنها تهدم الرؤية التقدمية التي سعى عالم الاجتماع الكندي الراحل «مارشال ماكلوهان» إلى صبغ العالم بها في ستينيات القرن الماضي، حين اعتبر أن الكون سيضحى قرية كونية، وذلك بفضل ثورة الاتصالات تلك التي قربت بين الأمم والشعوب، لكن يبدو أنها باعدت بين النفوس والعقول.

ما هي الشعبَويّة؟
بادئ ذي بدء، هل يمكن تقديم معنى ومبنى مجرد لكلمة شعبويَّة؟
يعرف القاموس لفظة شعبويّة بأنها التركيز على هموم الناس العاديين، أولئك الذي يُضحون «شعبويّين» عند ممارستهم مهام حياتهم، لا سيما في إطار العمل السياسي حول العالم. والثابت أن جوهر الشعبَويّة كما يذهب الكاتب الألماني يان فيرنر مولر «يكمن عند البعض في الموقف المعارض للمؤسسة الحاكمة»، لكنه يرى أن التعريف على هذا النحو ناقص، إذ يجب، علاوة على معاداة النخبة، إضافة عنصر آخر هو المتمثل في معاداة التعدد. إن ما يمثل جوهر كل الشعبَويّين يكمن في التعبير عنه تقريباً كالآتي «نحن ونحن فقط من يمثل الشعب الحقيقي».
والحركات الشعبَويّة حول العالم اليوم، تعكس خلافات سياسية في الكفاح من أجل ما يطلقون عليه «الأفق الشعبَوِي» ذاك الذي يتمثل في فكرة «البلد الموعود»، و«محو الذنوب» عطفاً على عودة الشعب إلى نقائه الأصلي، والأمر هنا لا يتعلق بالحاضر فقط بل هو نتاج أفكار يوتوبيَّة ماضية، لاسيما فكرة الكفاح الأبدي للخير ضد الشر، وحتمية الانتصار التاريخي للطهرانية وإن كلف ذلك المرء الكفر بالواقع، بل، ومحاولة تعديله وتبديله بأدوات عنيفة.

الشعبوية تنتج صداماً بين المكونات المجتمعية

بين الديمقراطية والشعبَويّة
على أن المشهد يقتضي تفريقاً بين الديمقراطية والشعبَويّة، سيما وأن البعض يرى أن الثانية ليست إلا نتاجاً للأولى، فلم يكن للشعبَوِيّين الوصول إلى مراكز القيادة المستقلة التي يطلق عليها «الاوتونوميا»، إلا عبر آليات وفرتها لهم الديمقراطية. لكن البعض من أمثال «فيرنر مولر» يرى أنه يجب تنظيف مفهوم الشعبَويّة أولاً من مظاهره التي اتخذت في البداية طابعاً وصفياً، قبل أن تتخذ طابعاً معيارياً كما يظهر في أغلب الأحيان من التاريخ الاجتماعي. يمكننا أن نلاحظ أن الأوروبيين ينظرون إلى الشعبَويّة على أنها ظاهرة غير ديمقراطية، في حين أنك حين تفصح عن ذلك في الولايات المتحدة الأميركية، تجد أمامك وجوهاً مندهشة من رأيك إنْ لم تكن غاضبة، سيما وأن الشعبَويّة في النهاية بالنسبة إلى العديد من اليساريين الأميركيين، حركة قاعدية تطمح إلى تحقيق ديمقراطية أكبر أو على الأقل تمثل دفاعاً قوياً عن مصالح ما يسمى بالتيار أو الشارع العمومي Maim Street ضد مصالح النخبة في الـ Wall Street.
هل يعني ذلك أن الشعبَويّة خطر داهم مرتبط بالديمقراطية التمثيلية المعاصرة؟ المؤكد أن الشعبَويّين يستغلون بعض وعود الديمقراطية المعاصرة، خصوصاً التصورات عن فكرة الاتونوميا الجمعية، أي الإدارة والإرادة الجمعية، من دون أن يتمكنوا من الوفاء بهذه الوعود، وعليه يضحى من المضلل الحديث عن الشعبَويّة كتصحيح ضروري لديمقراطية معطوبة.

الخوف وصعود الشعبَوِيّات
هل الخوف من الآخر هو أحد أهم أسباب تنامي الشعبَوِيّات حول العالم، وهو الذي مهد لعدد من رموز من نصفهم باليمين الأوروبي المتطرف الصعود إلى مراكز الحكم المتقدمة في ألمانيا وهولندا وعدد من الدول ذات مستوى الحياة المتميز «الاسكندنافية»، بل وهو الذي دفع البريطانيين إلى مسار البريكست والابتعاد عن الاتحاد الأوروبي؟
خذ دولة مثل إيطاليا على سبيل المثال، تلك التي تعتبر الأقرب إلى العالم العربي، والشرق الأوسط، وربما كانت أقرب دولة وأكبر دولة تعرضت لموجات من الهجرة غير الشرعية، أو تلك التي تسببت فيها ارتدادات ما عرف زوراً بالربيع العربي. قبل فترة اعترف الصحفي الإيطالي «إرنيستو غالوديلا لوجيا»، الكاتب في صحيفة «كوريري ديلا سيرا» بقلق ينتابه؛ فهو ولد كإيطالي، لكنه لا يعرف هل سيموت كإيطالي، فالبلاد تتغير بسرعة، وذلك نحو ما هو سلبي، وهذا التحول يربطه ديلا لوجيا بأشياء صغيرة، مثل عدم مشاركة فيلم إيطالي في مهرجان «كان» السينمائي عام 2017، لأول مرة على الإطلاق في تاريخ المهرجان، ويضاف إلى ذلك سلسلة من الظواهر الجدية: اقتصاد راكد، ومداخيل ضعيفة، وشوارع في وضع سيء، ووسائل نقل عمومية متردية، وعدم كفاءة البيروقراطية، والقائمة طويلة، هل هي إذن ساعة الشعبَويّين التي تدق في ذلك البلد المعروف بانفتاحه على الشعوب القريبة؟ الأمر ليس كذلك على الأغلب، سيما وأن أحوال الأحزاب السياسية التقليدية تتردى إلى أسوأ وضع، وعليه يبقى المواطنون مدفوعين بالاستياء والحقد، وأحياناً بالضغائن والأحقاد، وهؤلاء وأولئك يتلقفهم الشعبَويّون فريسة سهلة.

الشعبَويّات قنبلة موقوتة تهدد العالم

الشعبَويّون وإشكالية المئة في المئة
حتى نضع أيادينا على بعض أعماق الظاهرة الشعبَويّة القاتلة، سيما تلك التي تدعي التمثيل السياسي الأخلاقي أو الحصري، أي المعروف بـ «نحن من يمثل المئة في المئة»، لا بد من طرح سؤال: «كيف نعرف الشعبَويّة بدقة؟ وأين تمر الحدود الفاصلة بين الشعبَويّة والظواهر السياسية الأخرى؟ يمضي علماء الاجتماع الألمان بنوع خاص إلى القول أن الشعبَويّة ليست مطلباً لطبقات واضحة المعالم، وليست قضية عاطفية، كما أن قيمة العروض السياسية لا تكفي لقياس ما إذا كان شيء ما شعبَوياً. وعليه يخلص بعضهم إلى أن الشعبَويّة تصور سياسي محدد، يرى أن شعباً خالصاً ومنسجماً يقف دائماً ضد نخب غير أخلاقية، فاسدة وطفيلية، ويرى أن هذه النخب لا تنتمي البتة إلى الشعب. ومن أمثلة ضيق المسار الشعبَويّ ما جرى ويجري في دولة مثل فنلندا التي تشهد سباقاً وسياقاً للتفريق بين «الشعب الحقيقي» و«الشعب العادي»، الأمر الذي نراه منعكساً وبقوة في أسماء الأحزاب، فالحزب الفنلندي ومعنى اسمه «الفنلنديون العاديون»، كان يريد أن يُترجم إلى اللغات الأخرى بـ «فنلنديو القاعدة»، أو «الفنلنديون الحقيقيون»، والآن يريد الحزب أن يترجم اسمه فقط إلى «الفنلنديين».
وهنا تظهر على السطح إشكالية أخرى، فالنخب، خاصة في تصور الشعبَويّين اليمينيين، تدخل في تحالف مشؤوم مع الطبقات الفقيرة الطفيلية، والتي لا تنتمي إلى الشعب الحقيقي، ويمكن أن نلاحظ مثالاً على هذه الرؤية اليوم في شرق أوروبا حيث يتم دعم الغجر، في الرؤية الشعبَويّة، من طرف نخب ما بعد الشيوعية المناصرة لأوروبا.

التنوير أم الشعبَويّة؟
أحد الأسئلة المتقدمة التي باتت تقض مضاجع المفكرين التنويريين في أوروبا اليوم هو: إلى أي مدى تجسد الشعبَويّات خطورة على مسالك ودروب القارة التي أنارت للعالم دروبه في القرون الوسطى عبر مفكرين وفلاسفة ومثقفين وشعراء وأدباء وموسيقيين، رأوا في التنوع طريقاً للإبداع، وفي التعددية درباً للحضارة، وجعلوا شعارهم: «الحرية، والمساواة، والإخاء»؟
يمكننا القطع بأن الأوروبيين يقتربون رويداً رويداً من سياقات شعبويّة مخيفة، تستهلك ولا شك من الرصيد الديمقراطي والتنويري الحقيقي لأوروبا القديمة، فالشعبَويّون اليوم لا يحدهم البصر، ليس فقط في اليونان، لكن في أوروبا كلها التي حبست أنفاسها عام 2015 أمام التحالف الذي جمع يساريين ويمينيين شعبَويين في هذا البلد.
وفي إسبانيا يتقدم الشعبَويّون أيضاً، ويتداعى النظام الحزبي الذي حكم البلد منذ نهاية عصر فرانكو. أما في فرنسا وإنْ لم تفز «ماري لوبان» برئاسة الجمهورية الفرنسية في انتخابات 2017، إلا أن الجبهة الوطنية التي تمثل هذا الاتجاه الشعبَوي، باتت جزءاً من النظام السياسي القائم.
أما عن ألمانيا فحدث ولا حرج عن صعود اليمين الشعبَوِي المخيف الذي يستدعي حديثاً مفصلاً قائماً بذاته، لاسيما بعد احتلال مائة عضو من الحركات اليمينية ضمن حزب البديل من أجل ألمانيا مقاعد في البوندستاغ «البرلمان الألماني».
وربما يفهم المرء أو يستوعب حدوث انكسارات بعينها في مسارات دول ما كان يعرف بـ «أوروبا الغربية» في زمن الحرب الباردة، لكن ما هو غير مفهوم ويستدعي تساؤلات عميقة، يتصل ببعض دول أوروبا الشرقية، فكيف لها بعد أن أفلتت من براثن التيار الحديدي والقمع السوفييتي أن تمضي في مسارات الشعبَويّة وتترك أفق الليبرالية والديمقراطية؟
أنظر إلى فيكتور أوربان في المجر، وياروزلاف كاتشينسكي في بولندا، وروبرت فيكو في سلوفاكيا، ثلاثة من الشَّعْبَوِيّين يقودون أوروبا الوسطى، هذا في وقت كان ينظر فيه إلى دول وسط أوروبا على أنها رائدة في ما يتعلق بانتقال ناجح من اشتراكية الدولة إلى الديمقراطية الليبرالية والسوق الحرة.
أما الآن، فإن أوروبا خصوصاً الشرقية القديمة منها هي التي باتت بطريق مباشر أو غير مباشر تدافع وتنافح في وضوع عن رؤية غير ليبرالية وربما أيضاً غير ديمقراطية، للدولة، ولا عجب أن يحذر رئيس المجلس الأوروبي السابق «هرمان فان رومبو»، منذ العام 2010 من أن «أكبر خطر تواجهه أوروبا هو التيار الشعبَوي».

الأصولية الإسلامية والشعبَويّة الأوروبية
ضمن سياقات التحليل لفهم أبعاد الظاهرة الشعبَويّة، يرصد المرء بعض الآراء التي تتناول فكرة ردات فعل الخوف من الآخر، والآخر هنا تحديداً هو العربي أو المسلم، ورغم انفتاح القارة الأوروبية على العالمين العربي والإسلامي منذ قرون بعيدة، إلا أن ظاهرة المد الأصولي التي ضربت في جنبات المنطقة بنوع خاص خلال العقود الأخيرة، ولدت ردات فعل أبرزت من دور وحضور الأحزاب الشعبَويّة في القارة الأوروبية.
يسعى الأصوليون الإسلاميون الذين ذهبوا إلى أوروبا في طريق مشروع أحادي الفكر والتوجه، وعليه كان ولا بد من نشوء وارتقاء مشروع مقابل، الأمر الذي يرصده بكفاءة الباحث الإيطالي «توماس فيرجيلي»، مدير البرامج في المؤسسة الأوروبية للديمقراطية في إيطاليا، وعنده أن الإيديولوجيات الشمولية على اختلافها تقوم على الولاء المطلق، مقابل الخوف من الآخر، وغياب التنوع بأي صورة من الصورة. وتزيد هذه الإيديولوجيات التي تنتشر وتتمدد أكثر وأكثر من تفشي التطرف.
يتساءل «توماس فيرجلي»: «لماذا يتم تجاهل التهديد الذي يمثله التطرف الإسلامي في بعض الأحيان؟» ويجيب: «إن بعض الجماعات الإسلامية المتطرفة تمكنت من تصوير نفسها كمعبر وممثل عن التيار الإسلامي المعتدل، فيما يرى آخرون أن بعض الجماعات الإسلامية في أوروبا اليوم كانت سبباً مباشراً في دفع الشعبَوِيّات للإمام، فبعضها يتخذ ظاهرة التقية الشيعية، وإنْ كانوا من السنة، فيكفّون ظاهرياً عن استخدام العنف البدني، أو الحديث بعنف لفظي، من أجل كسب تعاطف واستقطاب فريد من المؤيدين لهم بين الناس، إلا أنهم في الوقت ذاته يحتفظون في صدورهم وقلوبهم بذات الأفكار الأحادية والاستبدادية».
ولا ينسى المنظرون للشعبويين الأوروبيين الوقوف أمام مشهد مهم للغاية وهو العمليات الإرهابية البشعة التي جرت الأعوام الماضية على الأراضي الأوروبية، ودفعت قطاعات عريضة من الأوروبيين المصنفين في خانة المعتدلين للتصويت لمصلحة الشعبويين.

النصيب الأميركي من الشعبويّة
هل يمكن القطع بأن أوروبا فقط هي التي ضربها فيروس اليمين الشعبوي المتطرف إلى حد التعصب والمتزمت إلى حد نفي الآخر؟ نخالف الحقيقة أن تناسينا أو أغفلنا ما يجري في الولايات المتحدة الأميركية بنوع خاص، سيما وأن الأرضية الذهنية، والمرتكزات الفكرية لهذا التيار قائمة في الولايات المتحدة الأميركية بحضور أكبر وأقوى مما هو الحال في أوروبا... والتساؤل لماذا؟
الجواب، من دون اختصار مخل، يتصل بالهوية، فأوروبا ومنذ القرون الحديثة نسبياً جعلت الحدود الفاصلة بين الديني والسياسي واضحة للغاية، وإنْ كان البعض يعيب عليها أنها دخلت مرحلة «العلمانية الجافة»، وهذه بدورها المكافئ الموضوعي لـ «التطرف والأصولية الظلامية». أما في الولايات المتحدة الأميركية فالمشهد على خلاف ذلك، لأن أميركا للذين يعلمون بواطن أمورها دولة علمانية الهوية، ودستورها لا يتقاطع مع الأديان بشكل مباشر، لكن ذلك لا ينفي أن الولايات المتحدة، دولة مغرقة في الهوى الديني، وبامتياز غير مسبوق، وهذه قصة تعود إلى زمن الهجرات الأوروبية الأولى من القارة العجوز إلى الأراضي الجديدة، أي أميركا، والسؤال الآن هل ضربت الشعبَوِيّات التي هي أقرب إلى الفاشية الولايات المتحدة؟

أولبرايت شعبويّة أم فاشية؟
منذ فترة والنقاش دائر في الولايات المتحدة الأميركية بشأن حزب الشاي الذي كثيراً ما نعت بـ «الشعبوي اليميني»، غير أن تطورات الأحداث في الداخل الأميركي جعلت المخاوف تتسارع، سيما مع مجيء الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى صدارة الحكم، وحتى في فترة الانتخابات التمهيدية للرئاسة في 2015، لم يكن ترامب عامل توفيق، بل أداة تفريق، سيما وأنه منذ ستينيات القرن العشرين لم يقم فاعل سياسي مشهور بما قام به ترامب، وبلا خجل، من السخرية من الأقليات وليس فقط النساء، بل أحياناً يكيل لهم الشتائم بأسلوب غير مقبول أخلاقياً.
وعليه فإن ملصق شعبوي أضحى بالنسبة إلى كثير من المعلقين غير مؤذٍ، فكثير من المراقبين لا يتورعون عن نعت الرجل القادم من عالم العقارات، وصناعة الصفقات بـ «الفاشي».في هذا الإطار أيضاً، يتحتم علينا الوقوف مع عملين كبيرين من الأعمال الفكرية للسيدة «مادلين أولبرايت» وزيرة الخارجية الأميركية في زمن إدارة الرئيس الأميركي بيل كلينتون.
الكتاب الأول وعنوانه «إمبراطورية الخوف»، وفيه تتحدث عما جرى لبلادها في إدارة جورج بوش الابن، وكيف أن زراعته للخوف بعد الحادي عشر من سبتمبر 2001، قد ولد تيارات شعبويّة، وأعطى قبلة الحياة لجماعات يمينية ما أنزل الله بها من سلطان، يقول البعض إنها قد تقود إلى تفكيك حالة الاتحاد الحالية، خلال العقد القادم.
لقد تلاعبت الإدارات الأميركية على وتيرة الخوف في الشارع الأميركي، غير أن هذا التلاعب ارتد سلباً على المجتمع الأميركي الذي بات يعاني حالة تمزق في نسيجه المجتمعي بصورة غير مسبوقة.
تقول أولبرايت: «إذا كان الأميركيون عاجزين عن الخروج من مملكة الخوف، فسيضلون الطريق، وبما أن الخوف يتعلق بالإدراك لا بالواقع، يستطيع الإرهابيون الفوز دون إطلاق طلقة واحدة».
أما عملها الثاني الصادر في أبريل الماضي تحت عنوان «الفاشية... تحذير»، ففيه تتساءل عن مصير الديمقراطية، وتقلقها أوضاع المواطنة الدولية، وتطرح السؤال الصريح وغير المريح عن الأزمنة السياسية القادمة، وهل نحن بصدد عودة مُقنّعة للفاشية السياسية التي خبرتها أوروبا في نصف القرن الماضي بنوع خاص؟.
تضع أولبرايت الأميركيين أمام حقيقة مخيفة وهي أن المحافظين الأوروبيين في ثلاثينات القرن الماضي، لاسيما في إيطاليا وألمانيا، قد اعتقدوا بأنهم قادرون على السيطرة على الفاشية، لكنهم فشلوا في ذلك فشلاً ذريعاً، وكانت كارثة الحرب العالمية الثانية، والآن ومنذ نهايات تسعينات القرن الماضي، فإن المحافظين الجدد مندفعون بأميركا في طريق مشابه، كانت تجلياتهم السيئة في زمن بوش الابن ولمدة ثماني سنوات، ولا نقول إنهم اختفوا في زمن باراك أوباما، لكنهم تواروا عن الأنظار إلى حين، وها هم يعودون إلى صدارة المشهد السياسي الأميركي، بل والاجتماعي والثقافي والديني، فهل بدأت أميركا في مرحلة أولى على الأقل من الحصاد المر الناتج عن بذار الشعبويّة المخيفة؟

الشعبويّة والاسلاموفوبيا
ظاهرتان توضحان لنا بجلاء مآلات الشعبويّة واستحقاقات شيوع وذيوع أفكار اليمين المتطرف في الداخل الأميركي. يتصل المشهد الأول بالمسلمين الأميركيين الذين باتوا ضحايا لظاهرة الاسلاموفوبيا، فيما المشهد الثاني موصول بظاهرة سياسية قديمة هي العداء للسامية، وضحاياها عادة من اليهود الأميركيين، وكل من الظاهرتين في حاجة ماسة إلى كتب ومؤلفات قائمة بدورها للتوضيح والإشارة إلى كارثية اللحظة الآنية.
وفيما يخص الاسلاموفوبيا في الداخل الأميركي، فإن هناك علامات مزعجة خلفتها انتخابات التجديد النصفي الأخيرة للكونجرس، فعلى الرغم من فوز سيدتين مسلمتين بمقاعد في مجلس النواب الأميركي، إحداهما من أصل صومالي وترتدي الحجاب، إلا أن الخطاب المرتفع المعادي للمسلمين، آخذ في التصاعد، والعهدة هنا على تقرير جديد صدر أواخر أكتوبر الماضي عن الوسائل الانتخابية والدعائية المتبعة في الولايات المتحدة، حيث توضح النتائج عمق الرسائل المعادية للمسلمين قبل الانتخابات، وهي أساليب متبعة منذ عقود في الولايات المتحدة، يسعى أصحابها من خلالها لإثارة المخاوف حول المهاجرين والزنوج، خاصة بعد استخدام الرئيس ترامب لهذا النهج المعادي للمسلمين في الانتخابات الأميركية 2016.
وبحسب تقرير لصحيفة الجارديان البريطانية، فقد زعم ما يزيد عن ثلث المرشحين، أن المسلمين عنصريون، ويشكلون تهديداً وشيكاً وطالبوا بحرمان المسلمين من الحقوق الأساسية، كما تبنى البعض حملة تزعم بأن الإسلام ليس ديناً، والتفاصيل أكثر من أن تتسع لها المساحة المتاحة للكتابة.

الشعبويّة والعداء للسامية
منذ تأسيس الولايات المتحدة الأميركية واليهودية قائمة هناك بسبب وجود مهاجرين يهود من أوروبا، ارتحلوا بفعل التصلب والتعصب العقائدي من الأوروبيين تجاههم، والعلم الأميركي يحوي نجوماً بعدد أسباط بني إسرائيل، وقد أضحى اللوبي الداعم لدولة إسرائيل، قوة فاعلة ومؤثرة في المسارات السياسية للبلاد، لاسيما منذ خمسينات القرن الماضي.
في هذا السياق لم يكن لأحد أن يتخيل عودة ظاهرة العداء للسامية إلى سطح الأحداث الدولية مرة أخرى، غير أن الواقع الأميركي بات بالفعل من جراء الشعبَوِيّات اليمينية المتطرفة، مساراً مفتوحاً لموجة جديدة من العداء للسامية.
خلال الحملة الانتخابية الأخيرة للكونجرس كان أحد المرشحين من السياسيين الجمهوريين، يعلن تأييده للزعيم النازي أدولف هتلر، فالمدعو «ستيف وست» اشتهر بتعليقاته المتشددة ومعاداته للسامية، وقد سبق أن وجه الاتهامات لليهود المقيمين في أميركا، واتهمهم بالسيطرة على الحزب الجمهوري، وبلغت به الحدة القول إنهم يرتبطون بأيديولوجيات، لا أوافق عليها، وهم اليوم من بقايا قبيلة يهوذا التي رفضت المسيح، وفي رده على سؤال حول اليهود الموجودين في ميسوري اكتفى بالقول حسناً ربما يجب ألا يصوتوا لي.
ولأن الشعبويين واليمينيين لا يفرقون بين المسلمين واليهود، لم يوقر وست الإسلام أيضاً حيث اعتبره في أكثر من خطاب إعلامي له «مشكلة لأميركا».
على أن أسوأ حادث مقلق إنسانياً، وبعيداً عن الشعبَوِيّات المغشوشة، إنما كان ذلك الاعتداء الذي وقع على كنيس يهودي في ولاية بنسلفانيا، والذي راح ضحيته أحد عشر مواطناً من المواطنين الأميركيين الأبرياء، جريمتهم أو ذنبهم الوحيد أنهم يدينون باليهودية، عطفاً على عشرات الجرحى. وما يدعو للقلق هنا أن «روبرت باورز» المتهم بتنفيذ الهجوم، كان قد أعلن عن نفسه وتوجهاته عشرات المرات من قبل من خلال نشر عبارات عنصرية على مواقع التواصل الاجتماعي، وفيما يصف المهاجرين بالغزاة، فإنه يقوم بالتأكيد على أن «اليهود كانوا أعداء للناس البيض».
هل هي حالة فردية تتوقف عند حدود «باورز»؟
في الحقيقة نحن في حاجة إلى قراءة مطولة عن قيام الجماعات العنصرية الشعبويّة الأميركية بما يشبه التوجيه العام الرافض لكل من هو دون الرجل الأبيض، والمسيحي البروتستانتي، وهذه قضية شائكة ومقلقة للقائمين على الأمن القومي في البلاد، سيما وأن تلك الجماعات تحمل أسلحة متقدمة، وبعضها شارك الأسابيع القليلة الماضية في تشكيل ميليشيات على الحدود الجنوبية للبلاد، لملاقاة قوافل المهاجرين القادمين من أميركا اللاتينية بالقوة.

الفيروس الشعبوي يضرب كندا
هل كان فيروس الشعبويّة ليتوقف عند الولايات المتحدة الأميركية، من دون أن يؤثر بشكل أو بآخر على مستقبل الأوضاع في الجارة الشمالية الكبرى «كندا»؟
المعروف أن تضاداً جوهرياً بدأ على السطح العامين الماضيين بين رئيس وزراء كندا «جاستن ترودو»، وبين الرئيس الأميركي دونالد ترامب، فالأول فتح ذراعيه وقلبه وعقله للأجانب والمهاجرين وبقية المهانين والمجروحين في كرامتهم الإنسانية، بينما الرئيس ترامب وفي أول مرسوم رئاسي له، منع مواطني دول جلها إسلامية من دخول البلاد لأسباب أمنية.
على أن الفيروس الشعبوي المنتشر طال مقاطعة «كيبك» الكندية مؤخراً، عندما حمل «تحالف مستقبل كيبك» إلى السلطة، وهو الحزب القومي غير الاستقلالي، والذي يريد الحد من تدخل الدولة ومن المهجرة، لتطوي بذلك صفحة من حكم الليبراليين الذي استمر 15 عاماً بلا انقطاع تقريباً.
أما البرازيل إحدى أكبر الدول في القارة اللاتينية، فقد كانت على موعد بدورها مع فوز ضابط الجيش السابق «جايير بولسونارو» بالرئاسة هناك، وخسارة التيار اليساري للحكم.
ويبدو أن هناك رابط ما بين «بولسونارو» وبين «ترامب»، رابط قلبي وعقلي، وميول شعبويّة واحدة، ففي مؤتمره الصحفي الأول قال الرئيس البرازيلي الجديد «أنا معجب بالرئيس ترامب. هو يريد أن تكون الولايات المتحدة عظيمة، وأنا أريد البرازيل عظيمة»، وقد يكون «بولسونارو» بداية تحولات جذرية نحو اليمين في قارة أميركا اللاتينية.
والخلاصة التي يمكن الخروج بها من هذا الواقع أن الديمقراطيات الغربية أمام استحقاق تاريخي ومفصلي، فإما التمسك بالأنساق الإنسانوية التنويرية، الديمقراطية الليبرالية، رغم سلبياتها، أو ترك الساحة فارغة للشعبويين الذي يدَّعون أنهم وحدهم القادرون على الوفاء بالوعد الأصلي للديمقراطية والمتمثل بتحقيق الاتونوميا الجمعية وهم عاجزون عن ذلك.

مملكة الخوف
«إذا كان الأميركيون عاجزين عن الخروج من مملكة الخوف، فسيضلون الطريق، وبما أن الخوف يتعلق بالإدراك لا بالواقع، يستطيع الإرهابيون الفوز دون إطلاق طلقة واحدة».
مادلين أولبرايت

اقرأ أيضا