تعتز الشعوب بأشياء كثيرة، وتمجد أشياء كثيرة، وتصدر أشياء كثيرة، لكن ليس هناك مثل اللغة، وعاء الثقافة والحضارة، وجسر الحرير الذي يمكن أن يوصلنا إلى الآخر، ويجعلنا نتواصل مع الآخر، لذا تتعمم الشعوب بلغاتها، وتجعلها من تيجانها الغالية، ولا يرضون لها ذلاً أو مهانة أو احتقاراً أو تجاهلاً أو استعلاء أو إهمالاً، وقد علمنا التاريخ كيف ناضلت شعوب من أجل حماية لغاتها، وعلمنا التاريخ كيف نهضت شعوب بلغاتها شبه الميتة، وخلقت لها أبجدياتها وطورت مفرداتها، ووضعت لها القواعد وحلول الصرف والنحو، واليوم هي حيّة بسبب تلك اللغة التي اعتزوا بها، وبعثوها من جديد، وعلمنا التاريخ أن لغات طواها النسيان، وضعفت شعوبها، وربما ذابت في أجناس وشعوب أخرى قادمة، هكذا حين يهجم المستعمر يهجم بلغته، وحين يدخل الغازي، تدخل لغته معه، لأن لا ثبات له في الأرض الجديدة إلا بزرع لغة المنتصر، وإقصاء لغة الخاسر، وعلمنا التاريخ أن اللغات تهاجر بقضها وقضيضها متخطية البحور والبراري قاطعة المسافات الطوال، لتزداد قوة من بعد قوة، ولتكسب فتحاً جديداً، وعمراً طويلاً، وقد فعلتها العربية في غابر الأيام، وقادرة على أن تفعلها، فكان حضورها الحضاري عابرة بلاد فارس وبلاد الترك وجمهوريات وسط آسيا وجنوبها في ماليزيا وإندونيسيا وفي أفريقيا، وكان لها حضور في لغة العلم والطب والقلم والأدب والفنون في أوروبا وأميركا اللاتينية، ولم تخفت العربية إلا حين خف حس أناسها، لكنها لغة لا تموت؛ لثرائها وعمق جذورها وتعدد أرواحها، فخدمها الكثيرون من عرب وعجم، مسلمون ونصارى، واليوم هي تعتمد على جيل آخر يجمع المعرفة والتقانة، لأنها إن فرطت من التقانة الحديثة، وطرق التعليم الحديثة، والمناهج الميسرة والمبسطة بالصوت والصورة والألوان، وهي من مفردات العصر الرقمي، أضعنا الوقت وأضعنا العربية، وهي قابلة ومطواعة، ولا تحتاج إلا للنية الحسنة والحماسة وكثير من الحب والاعتزاز، ولقد ناديت منذ سنوات، متعجباً ومندهشاً، كيف لا يكون للغة العربية معهد، أسوة باللغات الحيّة الست الكبرى، الإنجليزية «بريتش كانسل» والفرنسية «لا ليانس فرنسييز»، والإسبانية «معهد ثيرفانتيس»، والألمانية «معهد غوته»، والروسية «المركز الروسي»؟ حتى أنه لا امتحان دولياً معتمداً من جهة كبرى تعطي تلك الشهادة المماثلة للقبول واجتياز امتحان اللغة! ولعلها من البشارات الجميلة للغة العربية، بعد بشارات الشارقة متمثلة في دعم واهتمام ورؤى صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، وعطائه اللامحدود للغة الضاد، ما تم الاتفاق عليه بين مركز أبوظبي للغة العربية ومعهد العالم العربي في باريس، والذي يعد انطلاقة جميلة نحو آفاق مستقبلية لتعزيز العربية، وإبراز مكانتها، وجعلها سفيرة مقيمة في باريس، متمثلة في ذلك الصرح الجميل معهد العالم العربي، حيث كل الجهات مفتوحة نحو ذلك التواصل مع الآخر، والعربية جسر ذلك التواصل الحريري.