حاولت طوال أسفاري أن أراقب العاطسين في الحياة، ومن مختلف البلدان، والأعمار والأجناس، والذي أوحى لي بذلك صديق أمريكي، والأمريكان من أمورهم المدهشة
أنهم يعبرون بصدق عن مشاعرهم، دونما حواجز للعيب والمنقود والسنع، أو أي ضغوط مجتمعية وعادات وتقاليد أو سقف يحدّه، وهذا مرده لثقافتهم وتربيتهم المجتمعية، لذا لا تستبعد إن سألت أحدهم عن ما هي قمة السعادة عنده؟ مشفوعة بإذا سمحت، أو باعتذار عن السؤال، لأنه إن لم يعرفك جيداً فسيجاوب أن هذا الأمر ليس من عملك، ولا يخصك، لكن إن كانت هناك معرفة مثل ذلك الصديق فسيكون رده مدهشاً، ويعبر بشفافية وسذاجة، غير بعيدة عن الحكمة أحياناً، وسيعترف أن قمة السعادة عنده حينما تمر العطسة التي يضطر لها بسلام، فتصمت دهراً، ولا يمكن أن تكذبه، وتحترم رأيه، ومرة سألت طالباً أمريكياً زميلاً لي في باريس أيضاً عن مواصفات الزوجة التي يريدها، فقام وقتل كل الصور الجميلة، والمتخيلة لديّ عن المرأة المتعافية التي تختض في ذاكرة الصبا أو تلك الخارجة توها من جغرافية الماء أو البضّة المشبعة بكسل الصباح، برده: إنه يريدها غير مدخنة، ويحبها أن تلعب التنس الأرضي!
نعود للعطسة من باب الفكاهة وتمضية وقت الصيف هذا، والذي لا يريد أن ينتهي، فالعطسة تختلف من إنسان لآخر، فهي مثل الكلام تستطيع أن تميز نبرته، ويبدو متشابهاً، لكن هناك اختلافاً، فعطسة السمين التي تنفض جثته، وتنتفض لها أوداجه، تختلف عن عطسة الضعيف التي تهز كيانه اليابس، حتى تأوي عليه منها، ومن خطر أن تفتك به، عطسة المرأة تختلف عن عطسة الرجل، عطسة العربي الذي يظهرّها من خاطره، تختلف عن عطسة الفرنسي المكبوسة والمضغوطة داخله، غير أن مثل عطسة الشواب عندنا لن تجد، تسمعها مرات ترجّ المسجد، وتفزّع الإمام، وينسى السورة التي كان يقرأها، ومرات إن عطس الجد، وكان من الأولين الذين خدموا في جيش «تي.أو. إس» وجدت أحفاده الصغار يتناثرون أمامه مثل الخَلَال من شدة العطسة، بعضهم والذي على سجيته مثل البيدار في النخل، تظهر عطسته أشبه بتفجير ديناميت قديم، لكن في أوروبا قليل ما تسمع من يعطس، ولو كان جنبك، فعطسة الواحد منهم تشبه طلقة «أم سجبه» ويخرج منديلاً قطنياً أبيض لكيلا يؤذي الآخرين، أما الشعوب الهندية والأفريقية فإنهم يوزعون بلاويهم مع الهواء الطائر، وإن كنت مجالساً أحدهم وفعلها، فتوقع أن يصل رذاذه وجهك أو تستقر خارجة مع العطسة مضغة خضراء تميل للرصاصي على ثوبك، ولا أحد يعتذر، لأنه ما أن يفيق من تلك العطسة، وكأنه عادت له الحياة، طبعاً سر العطسة يمكن أن يشرحه طبيب فتتعجب كم هي قوتها بالأحصنة، وماذا تفعل بالجسد؟ ويمكن أن تقتل الإنسان، حيث تبلغ سرعتها 100كم في الساعة، ويمكن أن تتسبب بكسر الضلوع، خاصة أولئك الذين يرسلونها «متراكتة مترادفة» وكأنها طلقات رشاش «بيرن» ونكمل غداً..