وحده الرزق له فلسفة غيبية، لا يمكن أن ندرك سرها ومكنونها، ومهما حاول الوجوديون والواقعيون أن يبرروا الرزق بطرق حسابية، منها الجد والاجتهاد والتخطيط السليم ودراسة السوق والمجازفة وسبر المستقبل، إلا أن الرزق في النهاية يضرب بتلك المسببات عرض الحائط، ويظهر كلام الغيبيين هو الأجدر بالصحة، وإعادة النظر فيه من جديد، ولعل المثل الشعبي المصري يعبر عن تلك الحالة من فلسفة الرزق الغيبية، وشبه الاتكالية: «تكون في بؤك، وتكتب لغيرك»، لكن بطبيعة الحال هناك معادلات كثيرة تجعل من فلسفة الرزق قائمة منها سماوي، لا دخل للإنسان فيها، «وفي السماء رزقكم وما توعدون»، ومنها دنيوي يعتمد على الجد والعمل، السماوي أن تلد في بلد، ويكون رزقك الحقيقي في بلد، وتتزوج من بلد آخر، وترزق بالأولاد، ثم تموت في بلد آخر، لم يخطر على بالك أن تفتح دكاناً بالقرب من دكان أخيك وتبيعا البضاعة نفسها، لكن الرزق يذهب بشكل يومي وسلسل لأخيك في دكانه الذي يحتل ناصية الشارع، وأنت تظل تكش الذباب الذي «يغوغي» على وجهك عند باب دكانك، فيكون نصيب الأخ تسعة وتسعين نعجة، وأنت نعجة عجفاء وحيدة، فيدخل الشيطان بينكما، ويزين لك الحسد والحقد ولوم القدر، وربما كره أخيك.
هناك دراسات وكتب قديمة وحديثة تتحدث عن الرزق وفلسفته، معتمدة على نصوص دينية، وقصص من الحياة، لكن القصص التي حدثت مع كل واحد منا أو كان شاهداً عليها أفضل بكثير، لأنها الوحيدة التي ستوصلك لمعنى الإيمان بالقناعة، واحترام فلسفة الرزق.
أحياناً تقوم صباحاً ذاهباً لعمل أو قضاء حاجة، وتسمع هاجساً في النفس يقول لك: اسلك هذا الدرب، فتنصاع لذلك الأمر الداخلي، وفجأة تجد محتاجاً أو طالب إعانة أو حالة تحتاج لمساعدة، فتقف أمامها مندهشاً، وتقول: لولا أن الله يريد الخير لهذا الإنسان، وقضاء حاجته على يدي، لما جئت إلى هنا بتسيير رباني، فتفرح لهذا الأمر، وتشعر بسعادة في النفس لأنك كنت حاملاً ذلك الرزق لذلك الإنسان ولا تدري.
وحدثت قصة لصديق كان ينوي أن يشتري داراً أعجبته، وحاول فيها لكن الشركة رفضت البيع، لأنها من الفلل المميزة، والجاهزة للعرض على المشترين كنموذج مثالي لما تقدم الشركة في مشاريعها، وعرضوا عليه فيلا غيرها مماثلة، لكنه كان يتمنى أن يسكن في تلك البقعة، والفيلا نفسها، ومستعد لأن يدفع للشركة مبلغاً إضافياً، خاصة أنه وزوجته أحبا الفيلا والجوار، الشركة أصرّت على موقفها بعدم البيع، ذهب الصديق منكسراً، وأنسته السنون تلك الدار التي كانت حلماً، وانطفأت لديه حماسة الشراء، وظل مستأجراً، ويتنقل من مكان إلى آخر سنوات سبعاً، وفي يوم لم يكن يحسب حسابه، أتته تلك الفيلا التي كانت في الحلم ساعية إليه، يقودها الرزق، مجانية بلا أي مقابل، وكأن السماء احتفظت له بتلك الدار لسنوات سبع، حيث لم تسكن تلك المدة، ودخلها هو بالبسملة مقدماً رجله اليمين كأول ساكن فيها، وحاله يقول: الله وحده الرزاق، وهو المعطي بغير حساب، فما خاب لي من سعي قديم، وبذلي له الأموال، جاء به الرب، وكأنه تلبية لدعاء صادق مجاناً وبلا مقابل، ترى كيف يمكن أن تقنع الرأسماليين الماركسيين بتلك القصة التي كنت شاهد عيان عليها؟! هنا تكمن فلسفة الرزق الحقيقية التي لا يعرف أحد ماهيتها، ولمَ هي اليوم وليس أمس، ولمَ تأخرت مع السعي، وتقدمت مع الدعاء، ولا أدري ربما للحديث بقية، لأنه حديث يطول بطول الليالي والأيام.