هناك أناس يحبوننا، ونحن لا ندري بهم، يخدموننا، ونحن لا نعرفهم يقيناً، يقدمون لنا الفضل، ونحن لا نرد لهم شيئاً من الشكر، حتى شكرنا ولو جاء متأخراً لا يصلهم، وربما لا يحتاجونه، لأنهم غادروا دنيانا بخيرهم، فقد كان عطاؤهم من القلب، ولشيء أغرموا به، وأضنوا حياتهم من أجله، هناك الكثير منهم، وهم المستعربون نسبة للغة والحضارة الثريّة، ولا نقول المستشرقين نسبة للجهة الجغرافية الخاوية، ذلك المصطلح الذي طرح إشكاليات ملتبسة خلال سنوات طويلة من صراع الحضارات، حد بلوغ سوء النية، والتهم المجانية بالعمالة والتجسس، وغيرها من التخرصات غير المبنية على يقين الحقيقة، من بين هؤلاء النفر الذين يحبوننا، ولا ندري بهم، ولا عنهم، أتحدث اليوم عن المستعربة الإسبانية «لوث غارثيا كاستينيون» تلك التي شغفت بالحضارة العربية، وعشقت الناس والأوطان حتى سرقت منها حب الوطن الأول، كانت تجد نفسها في القاهرة وبغداد ومراكش، وفي كل مرة تنبري مدينة عربية فتعلن عليها العشق، ولا تستطيع هي الفكاك منه، حتى تحولت من دراسة الفلسفة إلى دراسة العربية، وحينما وجدت جمالياتها تلك التي كبحر زاخر أو بئر بلا قرار، كما تقول، ظلت تنتقي بحب من السرد الأدبي العربي وتقدمه للإسبانية، تتعب حتى تقنع ناشراً أن يقبل بطباعة كتاب عن رواة وقصاصين عرب، كانت تقرأ الأشياء بحب، وتقنع بها بحب، نالت الدكتوراه الأولى في السرد العربي حيث تناولت القصاصين المصريين؛ «صنع الله إبراهيم، وجمال الغيطاني، ويوسف القعيد»، ونالت الدكتوراه الثانية في الأدب العربي بتناول القصاصين المغاربة؛ «أدريس الخوري، وخُناثة بنونه، ومحمد زفزاف»، استقرت طويلاً في بغداد، ودرّست في جامعتها الأدب الإسباني، وشهدت حربها، وعملت إنطولوجيا عن القصة العراقية، نشرت كتاباً مقارناً بين قصص الأطفال العرب والإسبان، وكيف تقدم لهم الحروب الصليبية، اشتغلت على الترجمة التي تعدها عملاً إبداعياً قبل أن تكون نقل معاني الكلمات بلا روح الحضارة، ولا وهج اللغة الأم، فيما يعرف مصطلحياً بخيانة النص أو المترجم الخائن، كما يعرف في الإيطالية بالقول المأثور: «Traduttore..traditore».
هؤلاء العشاق الذين يحبوننا من دون أن ندري، لا يكتفون بذلك الحب الذي يمكن أن ينتهي عند حد، لذا أقامت المستعربة «لوث غارثيا كاستينيون» معارض لصورها الفوتوغرافية الفنية المستوحاة من البلدان العربية، ومقتنياتها من الثياب والسجاد التقليدي والعاديات والتشكيل العربي، وطافت به مدن إسبانيا والبرتغال، فقط لتقول للناس هذا جزء من عشقي وجنوني وحياتي التي أعدها زاخرة بأشياء كثيرة جميلة وملونة، هي التي أعادت توازني في الحياة.
كوكبة المستعربين الذين خدموا الحضارة العربية وآدابها وثقافتها طويلة: المستعربون الإسبان الكثر منهم «إميليو جارثيا جوميث»، والمستعربون الروس الكبار منهم التاريخيون والمعاصرون مثل «فلاديمير شاغال»، والفرنسيان «جاك بيرك» و«لويس ماسينيون»، والإيطالي «فرانشيسكو غابريلي»، والألماني «ثيودور نيلدكه»، والبريطاني «دينيس جونسون ديفيز»، لهؤلاء وأمثالهم كل الشكر والود والورد.. وإن كان هذا الشكر والود والورد  متأخراً، لأنهم أحبونا من دون أن ندري، ونود أن نرد لهم الجميل فلا ندري!