تعرفت الأسبوع الماضي على تجربتين لشخصين تكاد ظروفهما تتشابه إلى حد كبير، ولكنهما خلقا واقعاً لأنفسهما يتباين تبايناً كاملاً.. سأحرص خلال مقالي هذا على ألا أشير إلى المكان، ولكن يمكنك عزيزي القارئ أن تسقط تلك الظروف على أي واقع جغرافي تعرفه.
التجربة الأولى مع رجل في منتصف الأربعينيات ظهرت على ملامحه علامات الضجر والبؤس، وقد اتجه لتشغيل سيارته الخاصة التي لم تحظ باهتمامه من النظافة في نظام «التوصيل»، رغم أهمية ذلك لرفع تقييمه في النظام، وخلال الوقت الذي تجاوز النصف ساعة، أظهر رغبة ملحة في السفر خارج بلاده فهو «مهندس» لديه خبرة جيدة، ولكن وضعه المادي سيئ، ولم يتردد في إظهار سخطه الشديد من أحواله وأبدى شكوى من كل شيء يمكن أن يخطر على بالك في الطريق وفي الناس والنظام، وتذمراً لا محدوداً من محدودية فرص العمل الجيدة!
التجربة الثانية مع رجل في نفس العمر تقريباً، ويعيش في نفس المنطقة الجغرافية التي يعيش فيها الرجل السابق، ولكنه من دولة أخرى، قَدِم منذ فترة قصيرة في رحلة، ولكنه قرر ألا يغادر إطلاقاً، فقد وجد فرصة عمل لن يجد مثلها في أي مكان آخر، وهو الآن يمتلك تطبيقاً إلكترونياً يقدم خدمة توصيل وجبات، حصل على تصريح له من النظام الذي كان محل استهجان الرجل الآخر - يخدم في منطقة لها نفس الطرق ويسكنها نفس الناس الذين كان يتذمر منهم الرجل الآخر- وهذه الخدمة أصبحت تدر عليه ثروة!
اعتقد أن أغلب الناس ينتمون إلى النموذج الأول، وهم الذين لا يرون الحياة على حقيقتها بثرائها ووفرتها والفرص غير المحدودة الموجودة فيها، بل يرون الندرة والضنك في كل شيء، وهم دائمو الشكوى والتذمر، والاستهجان من النظام ومن الآخرين الأفضل منهم حالاً، معتبرين باستمرار أن الحظ حالف الآخرين وجافاهم، وهكذا، تضيع طاقتهم في ذلك، في حين أن القلة على يقين كامل بأن خزائن الله لا تنفد، وأن الوفرة الحقيقية فيها، وأن انعكاسها متمثل حولهم باستمرار، وكل ما عليهم فعله النظر إلى الحياة بعين الامتنان والجدة للاستفادة منها.
المؤسف فعلاً أن قصر النظر لدى الفئة الأولى أصبح متجذراً يصعب التخلص منه، والأكثر أسفاً أنه يورث بشكل كبير لأجيال وأجيال، حتى لتظن أنه جينة لعينة غير قابلة للاستئصال.