في ذلك الصباح يخرج الرجل النبيل من بيته محتضناً الطبل الذي من خلاله يذكر الناس بموعد الإيفاء بدفع ثمن سهره، في ثلاثين ليلة رمضانية كان فيها الساعة التي ترن في الآذان لتذكر الناس بوقت السحور وجاء الآن موعد التكريم لمن كرمه الله بأحسن مهنة، وأنبلها.
كان الصغار يصطفون خلفه في طابور هاتفين بصوت واحد النشيد الذي يكرره المسحراتي في كل عام في نهاية شهر رمضان، وهي كلمات ترقرق وجدان الناس كي يجودوا بما عندهم من النقود أو الزاد، وكانت لحظة التجوال تلك تثير في نفوس الصغار فرحة وبهجة، حيث لرنين الطبل مذاق الرفرفة للروح في الجسد وحيث لنشيد المسحراتي جذل، يحرك مكامن الوجدان استعداداً لاستقبال العيد السعيد، وهو المناسبة الأعظم التي ينتظرها الصغار أكثر من غيرهم من الكبار؛ لأنهم في العيد سوف يلبسون الثياب الجديدة، وفي العيد سوف يتلقون العيدية، وفي العيد سوف يزورون منازل الجيران ويأكلون الحلوى، و- مكابيس اللحم - كل ذلك يجعل من دقات طبل المسحراتي ما يوقظ مشاعر لا يمكن وصفها غير أنها مشاعر التقاء الجدول بالأشجار، والتصاق النور في عيني الطفولة واحتدام الشوق في قلب امرأة عاشقة.
هكذا يبدو المشهد، وهكذا تصير الأمور في تلك الأيام والتي كان للمسحراتي حضور القصيدة في ضمير الشاعر، وتمكن الكلمة من نياط الطفولة، وتزحلق الموجة على صدر السواحل، وانثيال المطر من عيني الغيمة، وتطور الأنخاب في كؤوس الفرح.
الله، كم كان لهذا المخلوق من رونق، وكم كان له من ضجيج لذيذ، يثري المشاعر بقوة المعنى، وكم كان له شهيق الجياد وهي ترفس الرمل محتدمة باتجاه الأفق ترسم صورة الحياة من دون مساحيق، ولا زعفران زائف، ولا نمارق بلاستيكية، كان الرجل يشكل حلم شعب في ذروة الفرح، وأمل صغار بأن ينبلج صبح اليوم التالي عن مصلين يدعون لبيك اللهم لبيك، وفي عيونهم يشع نور الفرح.
كان ذلك زمناً فيه الجمال مثل النبرة بين شفتين ورديتين مشقوقتين من لحم ودم، كلما اشتاقتا للثم كلما ازدادتا احمراراً.