لماذا.. لماذا لا يكبر ذلك الصغير الذي عاش ردحاً من الزمن في كنف خيمة وعريش، وغاص في اليم تحت لظى شمس الصيف، وعضته سمكة غريبة، حتى أدمت إبهام قدمه اليسرى؟!
كل ذلك لم يزل منحوتاً على لوح الذاكرة، كل ذلك منقوش في دفتر الذاكرة، باللون الأخضر، مثل لون النبقة قبل نضجها، ها هو الصغير يلتفت من حوله فيرى تلك الأزقة القديمة تلثم ترابها وتمسك بجدرانها كي لا تتداعى، كما تداعت بعض المشاعر بعد جفاف، ها هي حبال أرجوحة قديمة تلتوي على بعضها مختبئة تحت ركام الغبار، وصفوف من ألواح النسيان، في مخزن طيني حار رائحة الحشرات النافقة تنفذ إلى الأنفاس مثل النشادر، والطفل الذي كان يشعر بهيام، وهو يتفرس في المشهد العظيم وينظر إلى الجدران وبقايا أثاث تزاحم داخل غرفة عرشت فيها الدواب، وتلاطمت الخنافس الباحثة عن مخبأ لتفر من الخطر، الذي داهمها في مأواها الآمن، رائحة حمضية تنسل في أنف الطفل الكبير مثل السهم، فيعطس، ويسد أنفه، دمعة ساخنة تذرفها العينان من شديد الحرارة أو ربما، لأن صورة ما مرت من تحت الجفنين، صورة لها تاريخ مرتبط بأحلام قديمة، لم تكن سوداوية بقدر ما كانت رمادية، اليوم الطفل الكبير يجد نفسه في قبضة الصور التي تجري أمام عينية مثل غزلان تفر من قسورة، مثل أرانب مرعوبة من صوت مجلجل.
الطفل الكبير يأخذ نفساً عميقاً، ثم يضع يده اليمنى على مكان جلوس القلب، ثم يتأوه، ثم يلفظ نفساً عميقاً، ثم يختار متكأً قريباً ويسند ظهره على الجدار، وينصت إلى صوت تخلل الصمت وتدفق مثل جدول انهمر من عل إلى حضيض، اعترته رجفة وهو يتابع مصدر الصوت، ولكنه لم يفكر في الهروب، كان الصوت يقترب منه رويداً رويداً حتى تأكد له أنه الصوت الذي نطق فيه أول اسم «ماما».
يا إلهي، إنه صرخة الكون المزلزلة التي شغلت ذبذباتها العالم منذ البدء، وسوف تستمر فيهز جذوع النخل إلى يوم يبعثون.
بعد فترة غاب الصوت، وتلاشت صورة ما، ولكن الطفل الكبير ظل يلهج باسم «ماما.. ماما»، واندمج الوجود في صوت واحد «ماما.. ماما»، والطفل الكبير يمسد شيبه الذي ملأ وجهه ويمسح رماد العين، ويلثم ملح عفوية فائتة.