ما يجري في القطاع الطبي الخاص من ممارسات لا تمت للطب كمهنة إنسانية نبيلة ليس بخاف على أحد، ويلمسه الجميع، وهو يرى تحول الطب في الغالبية العظمى من مؤسساته إلى تجارة بمعنى الكلمة، بل إن «التجار» المسؤولين عنه يضعون الأطباء العاملين أمام خيارات صعبة لرفع نسبة «المبيعات» لديهم، وهنا تعني المزيد من صرف الأدوية والتحاليل، ومن لا يواكب التوجه ويُحّسن من «مبيعاته» يشهرون في وجه سلاح الاستغناء، والشريك الأكبر في تفشي واستمرار الظاهرة أو «الممارسة» السائدة هي شركات التأمين الصحي التي رغم محاولاتها السيطرة على ما يجري، إلا أن التيار يبدو أنه أقوى منها بكثير. بعضهم يحاول إيجاد مبررات لـ«تجار الطب»، فحالهم- كما يرون- لا يختلف عن أي «مستثمر» يستأجر بناية أو فيلا كبيرة وينفق بسخاء على تجهيزاتها وديكوراتها الباذخة، ويتعاقد مع أطباء في الغالبية «ممارسين عامين» وبعض الاستشاريين، ويستعين بتمويل من عدد من المصارف التجارية ويبدأ رحلة وقودها الأول والأخير المريض.
قد يرى بعضهم أن هذه الممارسة شائعة وعادية، ولكن ما ليس عادياً هذه المبالغة في أسعار الخدمات، وهنا نتحدث عن «صحة» وسلامة الإنسان، لدرجة أن تجار الطب عندنا عند دخول المرء لأي من منشآتهم لا يسألون عن مرضه أو حالته، وإنما السؤال الأول وقبل «السلام عليكم» عن نوع التأمين الذي يحمله، وعما إذا كان «دسماً» أو «منزوع الدسم».
حقيقةً هذا الواقع الملموس والمزعج بحاجة لتدخل من الدوائر الصحة المعنية، والتي وفرت كافة التسهيلات من أجل تعزيز القطاع الصحي والطبي، بما يترجم رؤية الدولة بضمان توافر مظلة الرعاية الصحية للجميع، ويعزز كذلك المشهد العام للإمارات كوجهة للسياحة العلاجية أيضاً. فالاستغلال البشع الذي تقوم به بعض المراكز الطبية غير التابعة للمستشفيات العالمية الكبيرة وكذلك العاملة في مجال طب الأسنان لا يمكن السكوت عنه، وأصبح تجار الطب الذين يديرونها من فلل فخمة وديكورات أقرب لأفلام الخيال العلمي يتباهون بأنهم وجدوا لخدمة فئة خاصة في المجتمع، أي فئة المقتدرين. وقد انتقلت العدوى بين المراكز الطبية وكل مركز يحاول تقليد الآخر ويعتبره ملهمه في النجاح و«الإبداع».
اليوم الناس أصبحوا على درجة عالية من الوعي والقدرة على التمييز، والهيئات المنظمة للقطاع الطبي بلغت مستوى رفيعاً من الكفاءة، ومن الخطأ الفادح استغلال المرضى بممارسات فجة تسلب الطبيب والطب إنسانيته.