تقودك الفردانية إلى اكتشاف عاملك الداخلي، واستنباط ما يخبئه من ثروات هائلة تفيدك في الخروج من تبعية الظواهر الخارجية والتي تسممك، تطيح بقدراتك العقلية والنفسية. قد يختلط الأمر لدى الناس باعتبار الفردانية هي الوحدة، أو التوحد كما يسميه البعض اليوم. في الفردانية هناك تطور في البناء النفسي، وهناك تنامي للشجرة الداخلية بعيداً عن الأعشاب الشوكية التي تعرقل تواصلك مع الآخر، والتي تعيق أيضاً تحقيقك لذاتك. في عالم مشبوه وملوث، بطحالب الذاكرة الصدئة يشعر الإنسان عندما يحدث له الوعي بذاته بأنه بحاجة ماسة إلى تلك الفردانية الجميلة وهي ليست التنمر كما يصفها بعضهم، ففي الفردانية تصبح الذات نقية مثل ماء النبع الصافي، وفي التنمر يصير الفرد مثل المستنقع، تعشش فيه الجيف وبقايا حشرات ميتة. نحن بحاجة إلى أشخاص فردانيين، حققوا ذواتهم من خلال تأمل الذات، والولوج في أعماقها، ومناقشة أحوالها، وأسباب وجودها. هكذا تصبح الصورة واضحة، جلية، صريحة، وعندما تشرق الشمس على الذات، تصبح التفاصيل لامعة مثل فصوص الفضة، تصبح الأعماق ناصعة مثل حبات التوت الناضجة، ويكون الفرد الفرداني في المحيط البشري، متعاطف مع الآخر وليس عدوانيا، فالعدوانية وليدة الكبت، والسيطرة على الدوافع النفسية الفطرية التي زرعت في الروح مثل نخلة على أرض خصبة. الفرداني شخص متحرر من المكبوتات، متخلص من الأفكار المسبقة، متجاوزاً حدود ذاته متصلا مع الآخر من دون علاقات مشروطة، هو كالوردة يعطي شذاه لكل الكائنات من دون تصنيف أو تجديف أو تحريف للثوابت الطبيعية. الشخص الفرداني إنسان متضامن مع الآخر لأنه انتصر على الأنا، وحيد قدراتها على التعنيف، والتسويف، والتحريف لكل ما هو حقيقي، الحقيقة هي أن تلمس جذور الفرح وأن تغادر منطقة التعاسة، وأن تقف في منتصف الطريق من دون ذروة حارقة، فأنت هنا تكون دافئاً وليس محموماً، ولا بارداً، تكون في الحياة أغنية، تستمد لحنها من ريعان الوجود، ومن صيحة الطير المغرد على الأغصان، تكون أنت نسيماً هادئاً يمر على أعطاف الآخر، فتورد وجنتاه، وتزهر شفتاه بابتسامة الحبور. لا تصعر خدك للأطفال ولا تجعلهم كائنات مخذولة، حتى لا يتحولوا إلى نشاز، حتى لا يصابوا بداء الوحدة. دع الجداول في نفوسهم تمضي إلى الأشجار، فتزهر، وتثمر، ويصبح العالم حديقة غناء، تؤمها البلابل، من كل حدب وصوب. حاول أن تكون صديقا لطفلك ولا تكن جلادا، إن الطفولة جبلتها الأفنية الواسعة فيها تحتفل مشاعرهم، وتضاء مصابيح أعمارهم.