ربما لا تعرف الشخص، وربما لو التقيته في مكان ما وهو حي يرزق، فقد لا تلقي إليه بالاً، ولكن فيما لو سمعت عن خبر وفاة الشخص نفسه، فقد تشعر بالحزن، وتعتريك حالة مزرية من الفقدان، وقد تلوم نفسك لماذا لم تسلم على هذا الرجل وتصافح يده؟ هذه مشاعر تنتابك وأنت تسمع عن خبر وفاة شخص ما، وهي مشاعر تأتيك من منطقة عميقة، وبعيدة عن الوعي؛ لأن الموت في حد ذاته يقطن في تلك البقعة من عالم الوجدان، ولكن تأثيره أقوى من صوت طلقة نارية تصيب بها الجمجمة.
سؤال الموت حاضر في الزمان وفي المكان، هو سؤال الوجود برمته، سؤال تتراكم فيه الصور الذهنية والخيال العملاق، حيث الإنسان هو كمية وافرة من خيال الموت والحياة، وخيال القوة والضعف، وخيال الحلم والحقيقة، فما أن تتفتح أزهار الشمس صباحاً، وتدلي بخيوط الذهب على تراب البشرية حتى يبدأ العقل بتحريك عربة الخيال، وتشغيل كافة أدواته، وآلته الجبارة من أجل الإلمام بالمحيط الكوني من كل جهاته، وذلك هروباً من فكرة الموت المؤلمة والتي ما أن تبرز تحت مصابيح العقل حتى تبدأ في حفر قبور الأفكار السوداوية، ونبش الصخور التي تضم هذه الأفكار من أجل وضعها أمام العين المجردة، ولكي تخفض الأنا من تصعرها، وتخفف من صهيلها المزعة، والمريب.
ولكن ورغم كل هذه الاحترازات العقلية، فالموت يستل خنجره ليراهن على قوته الجبارة والقاهرة لكل ما يعترضها من وسائل الدفاع العقلية التي يفرضها العقل، ويظل الإنسان تحت الإقامة الجبرية لهذا القوي العنيد، وما أن يسمع عن موت إنسان ما، أو يرى جنازة ميت حتى ترتجف أطرافه، وترتعد فرائصه، وتهتز أغصان مشاعره رعباً، وجفولاً؛ لأنه حقيقة لا يعزي ذلك الشخص الميت بقدر ما يعزي نفسه، هذا الإحساس بالموت، هو إحساس مقيم في الذات البشرية، ومستوطن أزلي لا يفارق، ولا يغادر تلك المضغة الكامنة في الصدر. 
فالإنسان حبل مشدود بين ورقتين، ورقة الميلاد وورقة الموت، وما بين الورقتين تنتعش الصور الخيالية، ومهما بلغ بالإنسان من قوة العزيمة، إلا أن رؤية الموت مسجى على خشبة النهايات القصوى كفيلة، لأن تطفئ نيران الحماس الحياتية، وليس هذا تشاؤماً، وإنما هو واقع حال، ومهما حاول الإنسان الهروب من هذه الدائرة المغلقة، فهي تظل تتشبث بتلابيبه، وتتحكم في مصير تفكيره، وتملي عليه بعض الصور التي تذكره بأسطورة الموت ذات الأثر الناحت في الوجدان البشري منذ الجبلة الأولى، لا نستطيع أن نمسح عن سبورة حياتنا عنواناً هو جزء من بذرتنا الخلقية، وهو عنصر نهاية لكل مخلوق، ولكي تستمر الحياة لا بد من نهايات، ولكن العقل الباطن لدى الأفراد يرفض هذا القانون، ويتمرد عليه، ويجعل من الإنسان حالة نشاز دون الكائنات الأخرى، ولكن ليست هذه النعرات الأنوية إلا خدعة بصرية وستبقى هكذا إلى الأبد.