مسألة مجحفة للعقل، مخالفة لحركة التاريخ، منافية لأسباب كثيرة، أهمها أن تستمع للرأي الآخر وليس من الضرورة أن تقتنع، ولكن الأهم هو أن يصير ردك له معنى، بعد أن تكون أنت حاضراً في المشهد، مشكلتنا كبشر أننا عندما تكون لدينا فكرة ما حول موضوع ما نعتقد بأن الأفكار ملكية شخصية ولا يجوز الاقتراب منها من الطرف المحاور، الأمر الذي يحمي الوطاس، ويشعل جمرة الأنانية، ويحرك في المكامن شغاف الجاهلية الأولى، فيخرج المتحاورون من جلسة الحوار كمن غسل يديه في الطين كي ينظفها.
مسألة مزرية، وحالة مؤسفة عندما تحضر مثل هذه السجالات المصابة بالحمى، وجائحة التقوقع عند الذات والرفض التام والبات من الزحزحة حتى ولو تحركت الشمس من مكانها، ورفض القمر إنارة الأرض، وتقاعست النجوم عن بث البريق الجميل.
هكذا نجد بعض الكائنات البشرية تحوم حول نفسها ولا تريد أن تحرك ساكناً في الحوار، وتعتقد أن القبول بالرأي الآخر مذلة وإهانة وتخلٍ عن ملكية شخصية.
هذه ظاهرة  عالمية، ولكن في منطقتنا العربية يبدو الأمر أكثر فجاجة، وأصعب، وأعسر، وأكثر عتامة، لأن البعض رفض وبعنف الخروج من الدائرة المغلقة، وأعتقد أن ما يفوه به هو القول الحق، وأن ما يلهج به لسانه هو الحقيقة، بمعنى أنه يتخيل أنه امتلك زمام الحقيقة ولا حد سواه يستطيع الوصول إلى هذه الاستثنائية الفريدة من نوعها، وقد يتهم الطرف الآخر بأسوأ الألفاظ، وأعظمها قسوة على القلب، لأنه لا يريد أن يفهم سوى تلك الجمل التي حفظها وربما لا يعرف معناها، وتلك الأفكار التي علقت بذهنه مثل الحشرة الحمراء في جذوع النخل.
حقيقة الإنسانية ابتلت بهذه الظواهر الصوتية وعانت، وقاست وواجهت البلوى بسبب اصطدامها بجدران صماء، خرساء، بكماء لا تنطق إلا بما حفظته عن ظهر قلب، وعدا ذلك، فهو رغاء في ظنها لا يهم ولا ينفع، بينما العالم يتطور، وينهض بقوة الانفتاح، وشفافية اللقاء مع الآخر.
الإنسانية وقعت تحت سطوة التزمت فأطاح بجمال الحياة، وغير معالم الزهرة الزهية لتصير وريقات ذابلة، تصفعها ريح الصحارى القاحلة.
موضوعات بسيطة وعادية قد تدور في محيط المنزل الواحد، ولكنها بفعل الاصطدام بالصخور الجبلية الصلدة، تتحول إلى خلافات شخصية وانتقادات تخرج كلياً عن نطاق الموضوع مثار النقاش.
وقد يهجرك صديق أو قريب، وقد يتخذ موقفاً متشدداً إلى درجة قطع العلاقة مع أقرب الناس له فقط، لأنه لم يعجبه رأيك، وهذه هي الطامة التي تقصم ظهر الحقيقة، وتجعلها ناقة عرجاء لا تقوى على خوض رمال الصحراء.