نسمع ما يصم الآذان عن سلام نفسي بين الفرد وذاته، وكذلك نسمع عن سلام عالمي يذهب عن الإنسانية هذه الغيمة القاتمة. ولكن عندما نقرأ المشهد الكوني لا نرى غير دخان العابرات وهي تخترق الأجواء لتصل إلى صدور الأبرياء، ولا نرى غير الحروب بمختلف أشكالها وألوانها، تملأ وجدان الأرض وتعكر صفو السماء، وتشرد، وتثكل، وترمل وتيتم، ولا جدوى من كل الشعارات وكل الصراخ الذي لا يسمن ولا يغني، ولا يمنع النفس الأمارة من بث نيرانها، وإشعال ضغائنها وحرمان الصغار قبل الكبار من التمتع بابتسامة صباحية مبثوثة على الوجنات كأنها الورود الزاهية.
ما يحتاجه العالم وبشكل فوري حتى ينهي هذه المأساة البشرية الجاثمة على الصدور هو الإيمان بشكل راسخ أنه ما لم تتفتق الأذهان عن فكرة تزيح عن الكواهل كل الأفكار السابقة، وتحرر الذهنية البشرية من قيود الماضي الأليم والتي نشأت في الأجيال على مبدأ الأنا والغير، وهي الطامة التي صنعت كل هذه التشققات في الضمير البشري، وصاغت هذه اللوحة التشكيلية المشوهة، وعملت على سبك حلي مزيفة ظن الإنسان أنها من الياقوت، وما فتئ يفكر في كيف حدث هذا، ولكن في الحقيقة السبب واضح، كما أن النتيجة جلية.
يقول فيكتور هيجو: نحن نرزح تحت هذه الأفكار المتوحشة والتي تدوس بأطرافها المتنازعة على أرواحنا، مما يجعلنا نعيش من أجل البقاء، وليس من أجل الحياة. نحن اليوم في أمس الحاجة لأن نفكر بطريقة تجعلنا نسعى من أجل الحياة، ونمد أيدينا إلى البعيد والقريب على حد سواء، وواثقون بأن عمارة الأرض لن تتم إلا من خلال هذا العناق الشفيف، وهذا الاحتراق الحميمي الذي يجعل من الحياة شجرة نحن الذين نضع الثمرات على أغصانها، ونحن الذين نمنح عصافيرها أجنحة التحليق.
لا يمكن الحديث عن سلام عالمي من دون العناية بتربية جيل مختلف، ومتميز بأريحية الوجدان، لا يمكن الاستناد على مصطلحات فجة وقاسية من دون الوعي بأهمية أن نزرع في الضمير الإنساني منذ نعومة الأظافر فكرة أن الحب ديمومة وأن الكراهية صناعة بشرية طارئة نحن الذين نخلق أجنتها في رحم الحياة وعلينا إزالتها بترياق الحب، وقد يغضن البعض جبينه ويرى أن هذا الحديث ليس إلا تنظيراً، أما الحقيقة فهي أنه ليس من الممكن إزاحة غيمة الكراهية من نفوس البشر، وهذه طبعاً مشاعر سلبية قادمة من قلوب عشش فيها جراد التشاؤم وما عادت ترى أملا في إحياء المشاعر الإيجابية.
ولو كان بيدي لأنشأت مدرسة للحب، وهي الأهم من الجغرافيا وهي المليئة بحفر الحروب السوداء، ومن التاريخ الذي نصفه كذب، ونصفه الآخر أوهام البارانويا.