كثيراً ما يرى الكثيرون في هاتين الكلمتين من رجفة تهز البدن لارتباطها في اللاشعور الجمعي بالأنانية، بينما هي في الحقيقة تعبر عن إشارة خضراء باتجاه التضامن مع الذات، وإخراجها من النكوص إلى عوالم داخلية داكنة، تزدحم فيها ذرات الغبار، وتتراكم الأعشاب الشوكية الضارة.
يقول أرسطو اعرف نفسك، وكونه فيلسوفاً علمياً لم يعِ معنى أن يحب الإنسان نفسه. فالحب هو الطريق إلى فهم النفس، فأي شيء لا تحبه فلن تفهمه، وأي شيء تحاول الاقتراب منه، عليك أولاً أن تتواصل معه بعاطفة جياشة دافئة.
كما أن الإنسان لا يستطيع محبة الآخر، من دون أن يحب نفسه، لأنه فاقد الشيء لا يعطيه، فكيف لك أن تحب الآخر من دون أن تحب نفسك، ومن أين ستأتي العاطفة الصادقة والمخلصة طالما بقي الداخل فراغاً مبهماً، معتماً، لا حياة فيه، فالحب هو حياة وهو إزهار، وهو انتعاش لبساتين القلب، وهو شرشف مخملي دافئ يمنح الآخر الطمأنينة، واستقرار النفس، والثقة بأن من يشغف به، ممتلئ بميكانيزمات الحب، وجينات النمو الصحيح.
حب الذات ليس هو الأنانية التي يبغضها الناس، فالأنانية هي انطواء على الذات، وحب الذات انفتاح على العالم، هو قطعة من جنة وارفة النعيم.
الأنانية تأخذك إلى كره الذات، ومن ثم إضمار الكراهية للآخر، هذه هي الثيمة الحقيقية لمفهوم حب الذات والذي لا يحظى به إلا أولئك الذين تحرروا من مكتسبات وراثية مفعمة بجنون العظمة، وأحياناً بالدونية؛ لأنه في الحالتين يكون هناك تطرف في الأنانية، ويكون جلد للذات بطريقة لا يمكن أن توصف، إلا أنها أنانية مبيتة، وتقوقع محسوم أمره، وانحياز للاشيء، وانهيار لقيم الفطرة التي وهبنا إياها الله، لأنه في الأصل أن يحب الإنسان ذاته حتى يرى جمال الوجود، وروعة الخلق، وتلك الزخرفة الطبيعية التي توجد في مختلف الكائنات ومنها الإنسان.
نحن بحاجة إلى طرد كل ما يرد للعقل من براثن الوهم التاريخي، نحن بحاجة إلى إعادة صياغة خيالنا لنتخلص من الصدأ الذي لحق به، وننعتق من الصور الوهمية التي التصقت بالعقل جراء الضخ التاريخي من قبل أفكار مشعوذين، وكهنة الأفكار الشاذة.
نحن نستطيع أن نبني عرش الإنسانية بالسلام الذي نمنحه للعقل وبالحب الذي نكتسبه من حالة الصفاء الذهني، واللجوء دوماً للطبيعة بدلاً من الأوهام المصنوعة من بلاستيك الأفكار الممضوغة، والمجترة على مدى القرن، وقد يجد الإنسان صعوبة في التملص من تلك العادات، ولكن في القناعة رضى، وفي الإصرار يحدث الإنجاز العظيم، وفي عالم اليوم يبدو الأمر ملحاً في تحقيق مثل هذا الإنجاز، حيث الحياة مزدحمة بالأفكار، والعالم يمر من ثقب إبرة في رحلته اليومية إلى شارع العمل، أو منطقة العلاقة العاطفية، أو بناء عش الزوجية، أو تربية الأطفال، فكيف لنا أن ننجز كل هذا من دون ترياق حب يمنع عنا ضرر الانجراف نحو الأنانية بدلاً من الحب.