ليس هناك من شيء مثل القهوة والبيض حيرا العلماء والأطباء والدراسات والاستقصاءات، وخبراء التغذية، مرة يظهر طبيب وخبير تغذية ويمدح القهوة، ويقول في مزاياها وفوائدها ما لم يقله مالك في الخمرة، وما «يحواي» له أسبوع، إلا ويظهر آخر في أقصى ربوع كندا يناقض فيها ما قاله الطبيب الإندونيسي، زاعماً أن لا فائدة منها تذكر، ولو كانت تلك القهوة التي تسمى قهوة زبّاد النخيل، والمسماة بالإندونيسية: «Kopi luwak كوبي لواك» المستخرجة من فضلات ذلك الحيوان الصغير، والتي هي أغلى قهوة في العالم، وهناك دراسات من مخابر ومراكز محترمة تحلف لك أن القهوة منعشة للمخ، ومفيدة للقلب، وتحسن العلاقات الزوجية، ولها فعل عجيب ومؤثر على المثانة، وتنفع في سنوات انقطاع الطمث، وبعد قليل من ذلك الفرح لكل «الشرّيبة» في الدنيا، يخرج مختص هندي يموت على «الشاي بالحليب»، وينسف دراسة ذلك المركز المحترم، ويبرهن بالأدلة والحجج أن مضار القهوة أكثر من فوائدها، وإلا ما عافها أكبر شعبين في العالم من حيث كثرة النفوس، هما الهنود والصينيون، وفضلوا عليها الشاي بأنواعه، والذي ينطبق على القهوة، ينطبق على البيض الذي لم يتفق اثنان على منافعه وعلى مضاره، مرة يقولون لك: أن البيض من أفضل الأغذية مداً بالبروتين الصحيح، وخاصة المح، وبعدها بشويّ يظهر واحد يذم المح، ويفضل عليه الآح، وبعدها يظهر خبير أغذية أقرب إلى محترفي المصارعة الحرة، ويأكل عشر بيضات في اليوم، ولا يشكو بأساً، والود ودّه بس لو يلاقي واحداً يذم البيض، لكان أراه نجوم الظهر، ولو هناك دار نشر مهمة، تهتم بتعميم المعارف والفائدة لجمعت كتاباً ضخماً في المادحين والذامين القهوة والبيض، لأنها مادة معرفية مسلية ونافعة، وربما عُدّت أكثر نفعاً من البيض والقهوة نفسها!
ـ من الأمور التي تحمد لمعرض العين للكتاب والقائمين عليه أنهم التفتوا إلى التفاصيل المحلية، والأشياء الجميلة النابعة من أرض الدار، وأمكنتها، وروائح تاريخها ومن تشكلوا منها ومعها، بعيداً عن التغريب، ومحاضرات وندوات أجنبية بلسان غير عربي مبين، وتتحدث عن أشياء لا ندركها، ولا نعرف معنى وجودها في حياتنا، مثل: «السبر الميتافورسي وأثره على سكان أهل الساحل» أو «ابدأ حياتك ليس بالأمل، ولكن بالعملات المشفرة»، طبعاً كل تلك العناوين بالإنجليزي، وتعال افهم جملة واحدة منها، والتي لابد وأن يكون فيها كلمات مثل: «الاستدامة، تطوير الذات، البنية التحتية، واستراتيجيا المعرفة، والمعنوي واللامعنوي في محدودية العقلانية المعاصرة» أو «الجندرة وتأهيل المجتمع الحديث نحو الكوكبة»، ومن هـ «الخريط».. جميل ما فعلوا في معرض العين أنهم استنطقوا المكان، وسمعوا ما سرد من حكايا، جميل أنهم استحضروا شعراء المحلية العذبة، وما تغنى به شعرهم، وصافي كلمهم، حضروا وإن كانوا غابوا بزمنهم، لكنهم اليوم هناك، يتحدثون ويتحدث الجمع عنهم، ونقول للأجيال الجديدة التي لم تعرفهم، ولا المدن الجديدة التي تسمع صهيل كلماتهم: إنهم هنا.. وباقون في الذاكرة، وما يسرد المكان، هنا العين.. الإعراب، لا الاغتراب، ثمة أصالة هي مثل الرحى الثقال، الله لا يغير عليها ولا علينا، لأنها جزء من ذاكرة الوطن الممتدة عبر عصور غبرت، وعصور مقبلة، وأخرى آتية، يجمعها ذلك الخيط الرفيع من الحرير، هو: هم.. ونحن.. والآتون من رحم الأيام!