ترى من أين جاءت الألوان؟ هل هي من الطبيعة، أم أن الإنسان استنبطها من بيئته؟ لماذا تهيمن بعض الألوان دون غيرها، هل لعبت الأساطير والسحر والغيبيات الدينية وتفسيراتها دوراً في بروز لون دون الآخر؟ لِمَ بعض الألوان الممزوجة أحياناً أجمل من اللون الأصلي؟ بعض الألوان الإنسان من أعطاها رمزيتها، وألصقها بفئة أو طائفة أو ملة.
اللون لم يخلق عبثاً، وكل لون ناطق له لغته، قبل أن يفلسف الإنسان الألوان، ويطرح عليها من عندياته، ومن ثقافته، ومن موروثاته، فالناس كثيراً ما يمرون على الألوان في الحياة، ولا يتوقفون، إلا نادراً، وحين يجبرهم الوقت، ويجبرهم الموقف. هذه الألوان المتمازجة من الألوان الرئيسة بعضها ببعض بمقدار معين، ونسب معينة، لتعطينا لوناً مغايراً، وجديداً، لا نملك تجاهه إلا الكثير من التأمل، والتنسك اللوني، خاصة حين ترى أعماق المحيطات والبحار، وتلك الأسماك المتناهية في ألوانها، وزهزهة بريقها، ولمعانها، أو الشعب المرجانية وتدرج ألوانها، وتبدلها وظلالها، أو الأحجار الكريمة بعد صقلها. يمكن أن تدخل حديقة يابانية، فيقف شعر جنبك من روعة المشهد، وتزاوج الألوان، وذلك الهارموني الطبيعي الذي لا تملك معه إلا أن تقول: الله ما أجملك، وما أجمل صنعك!
وليست الألوان البراقة هي وحدها من تعطي مثل هذا الانطباع في النفس، فمشهد مطر الغاب والوحل والخشب المبتل يعطيك لوناً لا يمكن القبض عليه إلا إذا اجتمعت تلك الثلاثية مع بعضها وفي آن واحد، حتى أن لبعض الألوان رائحة هكذا يقول العارفون، لمَ اللون الأخضر إن جسه ماء رأيته رياناً مخضراً بلون الارتواء، وكأن ثمة لمعة جلبها الماء معه، فيزهو اللون الأخضر ببريق مختلف؟
هناك بعض الألوان، وكأنها جالبة للمال، كاللون الأصفر، وما يتبعه من ذهبي وفضي ونحاسي، هناك ألوان منسجمة مع حالها، وحيادية في مواقفها، ولا لها أي نوع من الحظ، وحسن الطالع، مثل متدرجات البني أو متدرجات الرمادي، في حين اللون الأحمر يقول: ها.. أنا، أنا القوة والغطرسة وحتى المال والسعادة عند بعض الشعوب، مسكين هو اللون الأزرق، جميل وبارد كنسمة، لكنه حين يتوحش إلى الزرقة الليلية، تظهر له هيبة أخرى، الأسود والأبيض متضادا الحياة، وزاد عليهما الإنسان أعباء كثيرة من حبه وعنفه، من فرحه وحزنه.
اللون البنفسجي لا شك في أن له هيبة غير عادية، استطاع أن ينتزع مكانته من بين كل الألوان، فهو يقترن بالسكينة والهدوء، وطمأنينة الروح، لذا يتقشّب به رجال الدين المسيحي في المناسبات الكبيرة، وفي القداس، وكثير من العائلات المالكة تتزين به، ولوحده، فغالباً لا يخالطه لون، وهو للفرح المتزن، وللعمر الراكز، وللحكمة، وهو من الألوان التي يمكن أن تحمل النقيضين والمتضادين، لذا حينما يحضر الموت، وجلال هيبته، وقدسية مكانته، يحضر اللون البنفسجي، والورد البنفسجي الذي يبقى حد اليباس مركوناً بجانب شواهد قبور الأعزاء يواسي وحدتهم الباردة!
هناك ألوان حارة ونارية تخص الصحراء، وتشتعل في أفريقيا والهند، وتحاول أن تجد لها بُعداً فلسفياً، فلا تجد إلا تلك الحرارة واللمعة والسواد وتأثير الأساطير والسحر، حيث تتباين معها الألوان الصارخة، وتقول لك: ها أنذا! وتحبها في موقعها، والناس تحتفي بها، وتحتفي أكثر بها حين تتجمع تلك الألوان المتناقضة كالأحمر والبرتقالي وبينهما الأصفر، لكن لو انتقلت تلك الألوان التي تميز أفريقيا إلى مناطق الشمال الباردة فستشعر بأنها دخيلة، وفي غير موقعها والناس تتعامل معها بإهمال وعدم اكتراث، لكن هل البهارات وألوانها المختلفة، التي تستعملها الشعوب في أكلاتها، لها دخل في تقريبها إلى قلوبهم ومحبتها؟!