شروق عوض (دبي)

 أكد معالي الدكتور عبدالله بلحيف النعيمي، وزير التغير المناخي والبيئة، أنّ جائحة فيروس كورونا المستجد، كشفت عن الأهمية الخاصة لقطاعات إنتاج الغذاء المحلية، وشكلت اختباراً حقيقياً لقدرة الجهات المختصة على الاستجابة لأي خلل في سلاسل الإمداد العالمية، أو تذبذب أسعار المنتجات الغذائية.
وأضاف معاليه أن الإمارات، بفضل رؤية وتوجيهات القيادة الرشيدة وسياستها الحكيمة، لم تواجه أيّ نقص في الغذاء طيلة الفترة الماضية، غير أن الجائحة كشفت أهمية تطوير قطاع الزراعة والإنتاج الغذائي المحلي، وتعزيز قدراته ومكانته في الأمن الغذائي الوطني والناتج المحلي على حد سواء، وهو ما تواصل الوزارة العمل على تحقيقه من خلال الاعتماد على أنماط زراعية حديثة وذكية مناخياً تستند إلى أحدث التقنيات وأفضل الممارسات.

  •  عبدالله بلحيف خلال إحدى جولاته (الاتحاد)
    عبدالله بلحيف خلال إحدى جولاته (الاتحاد)

وأشار معاليه في حوار مع «الاتحاد» إلى أنّ الهدر والاستهلاك المفرط يعدان من الجوانب التي سلّطت الجائحة الضوء عليها كجانب مهم في معادلة الأمن الغذائي، ونحن نأمل أن تكون الجائحة قد أسهمت في رفع مستوى الوعي بأهمية ترشيد الاستهلاك بشكل عام، والمنتجات الغذائية بشكل خاص، ومساعدتنا في تحقيق أهدافنا بخفض مستوى الهدر إلى حدوده الدنيا في السنوات القادمة.
وأضاف: كما كشفت الجائحة أيضاً عن ضرورة التوجه مستقبلاً لبناء مخزون استراتيجي من المواد الغذائية للحالات الطارئة، والاستثمار في قطاعات إنتاج الأغذية محلياً وخارجياً، وأهمية المحافظة على علاقات تعاون وثيقة مع الدول المصدرة للغذاء، ووضع سياسات وتدابير مرنة للاتجار الدولي بالمواد والمنتجات الغذائية، وتعزيز تدابير السلامة الغذائية.

مرحلة جديدة
بالسؤال عن دخول الإمارات حالياً مرحلة جديدة في تحقيق وتعزيز الأمن الغذائي، الأمر الذي عكسه التشكيل الوزاري الجديد، حيث بات ملف الأمن الغذائي مشتركاً يجمع مكتب الأمن الغذائي ووزارة التغير المناخي والبيئة، ومحاور آلية التعاون المشترك بين الجهتين.. أوضح معاليه أن توجيه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، كان واضحاً، سواء من حيث الأهمية التي يمثلها هذا الملف في المرحلة المقبلة، أو من حيث أهمية تنسيق الجهود المبذولة للتعامل معه، وبالرغم من التعاون والتنسيق القائم بين وزارتيْ التغير المناخي ووزارة الدولة للأمن الغذائي والمائي، فإنّ هذا التوجيه سيعزز هذا التعاون ويكامل الجهود التي يبذلها الجانبان، وستواصل الوزارة استثمار الاهتمام البالغ للقيادة الرشيدة بملف الأمن الغذائي الوطني، والعمل على تطوير القطاع الزراعي وقطاع الثروة الحيوانية والسمكية في الدولة، بما ينسجم مع استراتيجية الإمارات للأمن الغذائي 2050 ويحقق أهدافها.

مؤشر الأمن الغذائي 
 وحول أهم العوامل وراء تحقيق دولة الإمارات المرتبة الـ 21 عالمياً على مؤشر الأمن الغذائي، رغم اعتمادها على الواردات لتأمين نحو 80 إلى 90% من احتياجاتها الغذائية وتلبية احتياجات النمو السكاني.. أكد معاليه أنّ هذه المرتبة تعد إنجازاً مهماً يؤكد الاهتمام الكبير الذي توليه القيادة الرشيدة للأمن الغذائي من جهة، والتقدم الذي شهدته الدولة من جهة أخرى، حيث تقدمت الدولة عشرة مراكز دفعة واحدة خلال عام واحد، وذلك أكبر تقدم منذ إطلاق المؤشر، مشيراً إلى أن مؤشر الأمن الغذائي، الذي يصدر عن وحدة المعلومات الاقتصادية في مجلة «إيكونوميست»، يعتمد على ثلاثة معايير أساسية هي: القدرة على تحمل تكاليف الغذاء، ووفرة الغذاء، وجودة وسلامة الغذاء.  ولفت معاليه إلى أن احتلال الدولة لهذه المرتبة المتقدمة يؤكد المكانة الهامة للأمن الغذائي في رؤية القيادة الرشيدة، ويعكس في الوقت ذاته متانة الوضع الاقتصادي للدولة ومكانتها المرموقة على الصعيد العالمي وقوة الشراكات التي تجمعها مع مصادر توريد الغذاء وتنوعها، بالإضافة إلى جودة البنية التحتية وتطورها، ومرونة السياسات والإجراءات ذات الصلة بالاتجار الدولي للمواد والمنتجات الغذائية، والجهود التي تبذلها الجهات المعنية في مجال السلامة الغذائية.

خطط 
وحول أهم الخطط التي تعكف الوزارة على تنفيذها بشأن المجالات التي يرتكز عليها الأمن الغذائي في الدولة مثل تنويع الإنتاج الغذائي المحلي الزراعي والسمكي والحيواني، وتنويع الواردات والاستثمارات والأنظمة الغذائية والأبحاث، ومعالجة إشكالية هدر الأغذية.. قال معاليه: «تعمل الوزارة مع شركائها على معالجة كل المسائل المتعلقة بالأمن الغذائي من خلال مسارات متوازية، وفيما يتعلق بتنويع الإنتاج الغذائي المحلي بأنواعه المتعددة، فإنها تقوم بتحويل قطاعات الزراعة والثروة الحيوانية والسمكية إلى قطاعات تُدار على أسس تجارية، وتعمل من أجل ذلك على تشجيع أصحاب الحيازات الزراعية على تبني أنماط زراعية حديثة وذكية مناخياً كالزراعة المائية والعضوية والعمودية، والاهتمام بجودة المُنتَج المحلي لتعزيز قدرته التنافسية في الأسواق وزيادة إقبال المستهلكين عليه. إضافة إلى ذلك نقوم بتوفير الدعم المادي لأصحاب هذه المشاريع، بصورة مباشرة وغير مباشرة». 

 الاستثمار بقطاع الأغذية
 أما بخصوص تشجيع الاستثمار في قطاع إنتاج الأغذية الوطني. فأشار معاليه إلى عمل الوزارة بالتعاون مع كافة الجهات المعنية في الدولة على وضع ما يلزم من سياسات لخلق بيئة جاذبة للاستثمار في هذا القطاع، مضيفا: «شهدنا في السنوات القليلة الماضية انخراط المزيد من الشركات الخاصة في القطاع الزراعي، وسنواصل العمل في المرحلة القادمة على جذب المزيد من الاستثمارات لهذا القطاع الحيوي».
وقال: «ولا يفوتني هنا التنويه بالاستثمارات الإماراتية الضخمة في قطاعات إنتاج الأغذية في الدول الأجنبية، التي تشكل واحدة من الضمانات المهمة في منظومة الأمن الغذائي الوطني».

 محاور التوجه الاستراتيجي 
وحول أهم محاور الرؤية المستقبلية للوزارة.. أوضح معالي عبدالله بلحيف النعيمي، أن كل المؤسسات الحكومية في دولة الإمارات، ومن بينها وزارة التغير المناخي والبيئة، تستمد رؤاها من الرؤية العامة للدولة، وتعمل على تنفيذ تلك الرؤية في مجال اختصاصها، ورؤيتي كوزير للتغير المناخي والبيئة تأتي في هذا الإطار، حيث جاءت رؤية التوجه الاستراتيجي الجديد للوزارة، بعد القيام بعقد سلسلة من الزيارات إلى المزارع المحلية الخاصة بالإنتاج الزراعي والحيواني والسمكي مثل «مزارع العين، والمختبرات الوطنية التابعة للوزارة، والمنافذ الحدودية مثل» منفذ خطم الشكله في العين ومنفذ الدارة في رأس الخيمة ومناطق فحص إرساليات الثروة الحيوانية في مطارات الدولة مثل مطار الشارقة الدولي ومختبرات الفحص التابعة للوزارة فيها وموانئ الدولة مثل ميناء الحمرية في دبي، بالإضافة إلى عقد لقاءات موسعة مع المواطنين العاملين في قطاعات الصيد والثروة السمكية والزراعة والإنتاج الحيواني ومدراء عموم البلديات.
 وأكد معاليه على استمرارية عقد مثل تلك اللقاءات والزيارات بشكل دوري، لما لها الدور الأبرز في تطوير منظومة العمل في مختلف القطاعات التابعة للوزارة، والاطلاع على أهم التحديات التي تواجه العاملين في تلك القطاعات وعملاء الوزارة مثل المزارعين ومربي الماشية والصيادين وغيرهم، والتأكد من مدى جاهزية الكوادر العاملة في تلك القطاعات، ومناقشة احدث الطرق الخاصة بتعزيز القدرة على استيعاب الزيادة في حجم الإرساليات الواردة إلى المنافذ الحدودية، ومدى مرونة عمليات تقديم خدمات الفحص والإفراج عن الإرساليات، والارتقاء بمستوى الخدمات المقدمة في المسالخ وأسواق المواشي في الدولة، وتذليل كافة المعوقات أمام المتعاملين وغيرها الكثير. 
 وبيّن معاليه أن التوجه الاستراتيجي الجديد للوزارة يستهدف تعزيز الأمن الغذائي، ورفع معدلات الاكتفاء الذاتي المحلي وفق أعلى معايير السلامة والأمان، وضمان استمرارية ومرونة سلاسل توريد الغذاء، في حين ترتكز الممكنات على الحوكمة الفعالة، والبحوث والتطوير في مختلف قطاعات الوزارة، وقواعد البيانات، وتنمية قدرات رأس المال البشري مثل العاملين والمتعاملين مع الوزارة، كما يرتكز التوجه الاستراتيجي للوزارة على مواءمة رؤية الإمارات 2021، ومواكبة مئوية الإمارات، ومواكبة ما يستجد من مواضيع وتحديات خاصة بمختلف قطاعات الوزارة مثل الزراعة والإنتاج الحيواني والثروة السمكية والتغير المناخي والتنوع البيولوجي وغيرها على الصعيدين المحلي والعالمي، بالإضافة إلى الالتزام بالمحافظة على الدور الريادي لدولة الإمارات في مجال حماية البيئة واستدامتها، وذلك بالاستناد إلى قيم الإبداع والابتكار وأفضل الممارسات.

 القطاعات المستهدفة
 أما بشأن القطاعات التي يرتكز عليها التوجه الاستراتيجي للوزارة خلال الفترة المقبلة، فقال معاليه: يعتمد تحقيق هذا التوجه الاستراتيجي على ثلاثة قطاعات حيوية، أولها القطاع الزراعي بما يضمن استدامته عبر تعزيز استخدام نظم الزراعية الحديثة، وتحفيز الحركة الاستثمارية في هذا النوع من المزارع كمشاريع صغيرة ومتوسطة، وزيادة تسويق المنتجات الزراعية المحلية، والثاني تطوير وتنمية قطاع الثروة الحيوانية المحلي في المقام الأول وزيادة حجم الإرساليات الواردة إلى الدولة، لضمان سد حاجة السوق المحلي، وتحويل الدولة إلى مركز رئيس للاستيراد وإعادة التصدير للمواشي في المنطقة، وسيتم تحقيق هذا الأمر عبر زيادة عدد الأسواق المورِّدة وتعزيز قدرات منظومة المختبرات الوطنية ومراكز الفحص والحجر للوارد من الثروة الحيوانية إلى منافذ الدولة، وكذلك تعزيز القدرة الاستيعابية للمنافذ لضمان استيعاب أكبر قدر من الإرساليات وضمان سرعة ومرونة تقديم خدمات الفحص والإفراج عنها، والثالث تنمية قطاع الصيد والثروة السمكية، حيث سيتم العمل في المقام الأول على تحديد التحديات التي يواجها هذا القطاع والعمل بشكل سريع على إيجاد الحلول المناسبة لها، وفي الوقت ذاته سيتم تعزيز الاستثمار في مشاريع الاستزراع السمكي.

تقليل الفاقد
لفت معالي عبدالله بلحيف إلى أن فقد وهدر الغذاء يمثل أحد المسائل المهمة في الأمن الغذائي على المستويين العالمي والمحلي، والحد من هذا الفقد والهدر هو أحد التوجهات الاستراتيجية في الاستراتيجية الوطنية للأمن الغذائي، وقد أولت الوزارة والجهات المعنية الأخرى في الدولة هذه المسألة الكثير من الاهتمام، وأطلقت العديد من المبادرات في هذا الاتجاه مثل مبادرة الحد من هدر الغذاء التي ساهمت بتوفير أكثر من 1.6 مليون وجبة في عام 2018 وأكثر من 1.9 مليون وجبة في عام 2019.  أما على صعيد تقليل الفاقد من الغذاء، فإن الوزارة تعمل وفق برامج محددة لإرشاد المزارعين وبناء قدراتهم وتوعيتهم بأفضل طرق الزراعة والري والحصاد والتخزين والنقل لخفض الفاقد من الغذاء خلال مراحل الإنتاج والتداول المختلفة.