قبل سنوات قليلة، أراد خبراء البنك الدولي تقييم الأثر المتأتي من وراء 1600 تقرير مهم أصدرها البنك على مدار سنوات، وكلفت ميزانيته ملايين الدولارات، وأمام استغراب الخبراء، تبين أنه بالنسبة لأكثر من نصف تلك التقارير المنشورة على شكل «بي دي إف» على موقعهم، فإن عدد المرات التي تم الضغط فيها على زر التنزيل تراوح بين صفر ومئة.
أرقام هزيلة للغاية، ولا تتناسب مع الموارد المهدرة والعناء المبذول، وبطبيعة الحال هذا لا يعني أن المحتويات غير مفيدة، بل على العكس، إذ قام باحث اقتصادي يدعى كريستوفار إنغراهام بالتحقيق في الأمر، وراجع محتويات العديد من تلك التقارير، ثم نشر استنتاجاته في تقرير بصحيفة واشنطن بوست الأميركية، قال فيه إن الكثير من الحلول التي يحتاجها العالم للمشاكل المعاصرة، ربما تكون مدفونة في تقارير «بي دي إف» لم يطّلع عليها أحد. 
تراءى لي هذا المثال، وأنا أراقب الأعداد الكبيرة من التقارير التي تنتشر عبر الواتس أب هذه الأيام! تقارير محلية وأخرى صادرة من دول قريبة أو بعيدة، وبعضها يحمل أسماء منظمات عالمية، وهي تتنوع شكلاً ومضموناً؛ وتتناول مجالات كالصحة، والتكنولوجيا، ويوميات الحياة، والخدمات بأنواعها، والعلاقات الإنسانية، والإدارة، والإنفاق، والحاضر، والمستقبل، وما قبل، وما بعد إلخ.. فأين ينتهي المطاف بكل هذه التقارير التي تتحرك في كل اتجاه؟ وكم عدد الناس الذين يقرأونها؟ وهل يُستفاد منها فعلاً؟ كل هذه أسئلة مهمة، والأهم من بينها هو السؤال عن صدقية تلك التقارير، وموثوقيتها، والقيمة الحقيقية لها علمياً وعملياً. 
لا أشكك، ولا نيّة لدي في أن أنتقص من قيمة أي تقرير يجري تداوله، بل على العكس، لدي اعتقاد بأن هذه ظاهرة إيجابية، وتنمّ عن نشاط معرفي مهمّ ومطلوب، لكن دور المؤسسات يتجاوز إصدار التقارير إلى التقييم والقياس لمعرفة الأثر والبصمة التي تركها كل تقرير في الواقع، وهل أدى الغاية التي من أجلها وُجد وأنفق عليه المال والوقت والجهد؟
شخصياً، أرى أن العديد من التقارير المتداولة تنطوي على قيمة مهمة، لكن البعض الآخر ربما يحتمل التحسين والتطوير شكلاً ومضموناً، لعلنا بحاجة إلى معايير يمكن الاسترشاد بها للقول، إن هذا التقرير مفيد أو لا، وفي حال كان التقرير مفيداً ومهماً، فمن الضروري أن يترافق صدوره مع خطة تضمن وصوله إلى المستهدفين، ومن ثم قياس الأثر الناجم عن ذلك لضمان تحقيق الفائدة المرجوة.