مصطفى عبد العظيم (دبي)

بدأت علامات ومؤشرات تعافي اقتصاد دولة الإمارات من آثار جائحة كورونا «كوفيدـ 19»، تظهر بوضوح على العديد من القطاعات والأنشطة الاقتصادية، وذلك منذ إعادة الفتح التدريجي للاقتصاد في شهر يونيو الماضي، بالتزامن مع الارتفاع المتواصل في مستويات ثقة المستهلكين، بحسب خبراء ومحللين اقتصاديين.
وتوقع هؤلاء لـ«الاتحاد» أن تتسارع وتيرة التعافي خلال الربع الأخير من العام الجاري، في ظل توقعات عودة المزيد من الأنشطة الاقتصادية، كالمعارض والمؤتمرات والوفود والمجموعات الاستثمارية والتجارية والسياحية الضخمة وارتفاع حركة المسافرين، مع بوادر ظهور لقاحات مختلفة لفيروس كورونا المستجد، والتي من شأنها أن تعزز الآمال العالمية بشأن القدرة على احتواء الفيروس والحد من انتشاره مجدداً.
وأشار الخبراء إلى أن البنية التحتية لاقتصاد دولة الإمارات ومرونته في التعامل من الصدمات والأزمات العالمية، تضعه في صداره الاقتصادات الأكثر قدرة على التعافي السريع من الآثار الاقتصادية لأزمة تفشي فيروس كورونا المستجد، ولاسيما أن التحولات التي يتوقع أن تشهدها الأنشطة الاقتصادية في المستقبل القريب، تشكل في الواقع جزءاً مهماً من منظومة الأنشطة الراهنة، فالتحول إلى الاقتصاد الرقمي تتسارع وتيرته منذ سنوات طويلة، والتجارة الإلكترونية في نمو متواصل، والتوسع في تجارة الخدمات ونقل التكنولوجيا والمعرفة وأنماط الاقتصاد الافتراضي يتزايد بشكل متسارع.
وأوضح هؤلاء أن القطاعات التي تأثرت بشكل مباشر بتداعيات «كوفيدـ 19» على الاقتصاد العالمي، مثل التجزئة والضيافة والطيران والعقارات، بدأت فعلياً في إظهار مؤشرات على التعافي والتحسن التدريجي، وهو ما أكدته العديد من التقارير العالمية التي رصدت ارتفاع مستويات ثقة المستهلكين والمستثمرين وأصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة في الاقتصاد. 

  • أسامة آل رحمة
    أسامة آل رحمة

إدارة الأزمات
وقال الخبير المالي والاقتصادي أسامة آل رحمة، إن البنية التحتية القوية والمتنوعة للاقتصاد الوطني، مكنته من استيعاب الآثار الاقتصادية لجائحة «كوفيدـ 19»، والتأقلم السريع مع المستجدات والتحديات التي فرضتها، مشيراً إلى أنه رغم شدة الأزمة الراهنة والتي لا تزال تداعياتها مستمرة، فإن تجارب الأزمات العالمية السابقة وأساليب إدارة تداعياتها من قبل حكومة دولة الإمارات، أثبتت مستويات عالية من المرونة الديناميكية في اتخاذ القرارات والحلول المناسبة لاحتواء تلك الأزمات.
وأشار آل رحمة، إلى الاستجابة السريعة لأزمة تفشي فيروس كورونا المستجد واحتواء تداعياتها الاقتصادية، من خلال إطلاق حزم تحفيز كانت الأعلى على مستوى المنطقة، والإجراءات الاستباقية التي تم اتخاذها لتهيئة المناخ للعودة لممارسة الأنشطة الاقتصادية والتجارية، بما يتوافق مع الواقع الجديد الذي فرضته الأزمة، من خلال نموذج متوازن بين ممارسة الأعمال والالتزام بالقواعد الصحية، أسهمت بشكل رئيسي في تسريع إعادة بناء الثقة في الاقتصاد على الصعيدين المحلي والعالمي.
وقال: إن أحدث المؤشرات والتقارير العالمية الصادرة عن مؤسسات دولية أظهرت ارتفاعاً كبيراً في مؤشرات ثقة المستهلك في الإمارات، والتي تعد من المؤشرات الأكثر أهمية في الاستدلال على تحسن الأداء الاقتصادي، موضحاً أن مؤشر مديري المشتريات الأخير أظهر ارتفاعاً وتحسناً للشهر الثاني على التوالي في الأوضاع التجارية، بعد أن أدت زيادة الأعمال الجديدة إلى ارتفاع قوي في النشاط، بعد أن ساعد التخفيف الإضافي لقيود الإغلاق في تحسين طلب العملاء، وزيادة معدل تحسن في الأعمال الجديدة في بداية الربع الثالث.
وأشار آل رحمة كذلك إلى الدراسة العالمية التي أصدرتها شركة فيزا حول «العودة للأعمال» والتي أظهرت مدى سرعة استجابة قطاع الأعمال في دولة الإمارات للتغيرات التي فرضتها أزمة كورونا في توقعات المستهلكين، والتي أظهرت أن 9 من أصل 10 مستهلكين في دولة الإمارات العربية المتحدة (90%) قاموا بتغيير طريقة الدفع لقاء مشترياتهم، معتبراً أن التفكير بسبل جديدة لتطوير تجارب المدفوعات أو نقاط البيع التي يوفرونها، أسهمت بشكل لافت في تعزيز قدرة الشركات على ضمان استمرارية أعمالها.

الشركات المتضررة
وأشار إلى أن شريحة الشركات الصغيرة والمتوسطة جاءت في صدارة الشركات المتضررة من هذه الأزمة، لما واجهته من نقص في التدفقات المالية أثر بصورة مباشرة في قدرتها على مواجهة الأزمة، منوهاً بمبادرات تحفيز هذه الشركات والتسهيلات التي أعلنها المصرف المركزي لمساعدتها في الإيفاء بالتزاماتها المالية، وتجاوز تحديات هذه المرحلة الصعبة. ولكن في المقابل، يرى آل رحمة أن قدرة الشركات الصغيرة والمتوسطة على استيعاب هذه التجربة والعودة إلى النشاط يجب أن تكون مصحوبة بأفكار جديدة ونماذج أعمال مختلفة، سيتم استخلاصها من دروس هذه الأزمة.
وتوقع آل رحمة أن تشكل أزمة «كوفيدـ 19» بدايــة لتغـيـر كبيـر في نماذج الأعمال، ولاســيما فيــما يتعلــق بالعمــل والتعليــم عــن بعــد، فحتــى بعــد نهايــة الأزمــة، قــد تتحــول العديــد مــن الــشركات إلى آليــات العمــل عــن بعــد بشــكل دائــم، كآليــة لتقليــص تكاليــف إيجــارات المقــار وتقليــص النفقــات المتعلقــة بفواتـيـر الميــاه والكهربــاء، ناهيــك عــن تكاليــف التنقــل لموظفيهــا، وهو الأمر الذي من شأنه أن يسهم بدوره في ازدهار قطاعات أخرى، أبرزها قطاع التكنولوجيا وتقنية المعلومات وحلول الأمن السيبراني، والمدفوعات الرقمية، والتجارة الإلكترونية، والرعاية الصحية، والصناعات الدوائية والغذائية.

  • سودير كومار
    سودير كومار

شهية المستثمرين
ومن جهته، كشف سودير كومار، شريك ورئيس-اتصالات الشركات في مجموعة كريستون مينون، المتخصصة في الاستشارات المالية والإدارية للشركات، عن تزايد ملحوظ في حجم الأعمال والاستثمارات الجديدة القادمة لدولة الإمارات العربية المتحدة، وارتفاع شهية المستثمرين، منذ استئناف فتح الأنشطة الاقتصادية، وحتى اليوم.
وأوضح كومار أن الاحترافية العالية في إدارة دولة الإمارات لأزمة «كوفيد-19» وإعادة فتح الاقتصاد، عززت الثقة لدى المستثمرين العالميين ودفعتهم لمواصلة خططهم الاستثمارية بشكل طبيعي، وذلك إيماناً منهم بآفاق الاستثمار الواعدة في دولة الإمارات، متوقعاً تسارع وتيرة تعافي الاقتصاد الوطني تدريجياً مع عودة حركة الطيران إلى طبيعتها، واستئناف نشاط المعارض والمؤتمرات في المرحلة المقبلة، مؤكداً أن اقتصاد دولة الإمارات يعد الأكثر جاهزية للتعافي والانطلاق لمرحلة ما بعد «كوفيدـ 19».

  • عمران فاروق
    عمران فاروق

اتجاهات إيجابية 
ومن جهته، يرى عمران فاروق، الرئيس التنفيذي لمجموعة سمانا، أن كل أزمة لها فترة زمنية وتتلاشى، مشيراً إلى أنه رغم صعوبة جائحة «كوفيدـ 19»، ولكننا متفائلون ويمكننا رؤية الضوء في نهاية النفق، ونتوقع أن يكون لسوق العقارات اتجاهات إيجابية في المستقبل القريب، فالأساس المنطقي للتفاؤل واضح للغاية، بعد أن أصبح صغار المشترين جزءاً مهماً من سوق العقارات، ومن المتوقع أن يدفعوا السوق.

  • عبد السلام الكيالي
    عبد السلام الكيالي

الكيالي: فرص تعافي القطاعات الاقتصادية الأعلى بالمنطقة
قال عبد السلام الكيالي، مدير عام العلاقات الدولية في مجموعة محمد عمر بن حيدر القابضة، إن فرص التعافي السريع للاقتصاد الإماراتي من تداعيات «كوفيدـ 19» تعد الأعلى في المنطقة، خاصة بعد أن أظهرت كافة القطاعات الاقتصادية منذ إعادة فتح الاقتصاد علامات على سريعة على التعافي، والتي تعكسها الحركة التجارية النشطة في مراكز التسوق ومعدلات الإشغال المرتفعة في الفنادق والمنتجعات، وكذلك عودة حركة الطيران والأعمال بشكل نشط. 
وأوضح الكيالي أن التعافي قد يحدث تدريجياً ويختلف من قطاع لآخر، متوقعاً أن يستغرق قطاع السياحة والضيافة وقته الكافي، وذلك لأسباب عديدة، أبرزها حرص الحكومات على مواصلة التقييد بمعايير وسياسات صحية مغايرة لما قبل تفشي فيروس كورونا المستجد، بما يضمن صحة وسلامة الأفراد والمجتمع، فضلاً عن قرارات الأفراد أنفسهم فيما يتعلق بالسفر والسياحة، خاصة أن الأوضاع المالية قد لا تساعد الكثير منهم بعد هذه الأزمة، مشيراً إلى أن الأولوية للأفراد ستكون للتعافي الصحي والتعافي المادي بعد أزمة كورونا، ولكن في المقابل يمكن للسياحة الداخلية أن تلعب دوراً مهما في تسريع وتيرة التعافي، وهو ما نشهده حالياً من ارتفاع مستويات الإشغال في القطاع الفندقي بالدولة، وخاصة الفنادق والمنتجعات الشاطئية.
أما على صعيد سياحة المؤتمرات والأعمال، فيرى الكيالي أنه على الرغم من توقع استمرار النمط الذي فرضته أزمة كورونا والتوسع في عقد المؤتمرات عن بُعد عبر تقنيات الفيديو والبرامج الحديثة التي أثبتت فعالية في هذه الأزمة لفترة أطول، سواء على صعيد استمرارية الأعمال، أو على صعيد تخفيض التكلفة التي باتت الهاجس الأول للشركات في هذه المرحلة، فإنها لن تكون بديلاً دائماً عن المعارض والمؤتمرات الرئيسية والتي توفر فرصة لالتقاء العارضين والمستثمرين وجهاً لوجه، لافتاً إلى أن عودة نشاط المعارض تدريجياً ستكون خطوة أخرى إيجابية على مسار التعافي السريع. وأشار الكيالي إلى أن الشركات العاملة في قطاع السياحة والسفر بوجه عام، عليها أن تعمل خلال هذه المرحلة على وضع استراتيجيات للتعافي، لافتاً إلى أن البنية التحتية لصناعة السياحة والسفر في دولة الإمارات تضعها في قلب خريطة السياحة العالمية، وتدعم قدرتها على عودة عجلة النشاط بوتيرة أسرع، مع تحسن الأوضاع العالمية وعودة شهية الأفراد للسفر والتنقل. وأوضح أن الناقلات الوطنية تلعب دوراً محورياً في تسريع وتيرة التعافي، وذلك بالنظر لدورها البارز في قطاع النقل الجوي العالمي، مشيراً إلى أن نجاح الاتحاد للطيران  وطيران الإمارات، وكذلك فلادي دبي والعربية للطيران في استعادة جزء كبير من شبكة الوجهات، رغم هذه الظروف، يمثل إنجازاً كبيراً في قطاع الطيران، مؤكداً قدرة هذه الشركات على العودة سريعاً للتشغيل الكامل واقتناص الفرص المستقبلية بعد رفع قيود السفر في الأسواق الخارجية.