مصطفى عبد العظيم (دبي)

شكلت معارض الإكسبو العالمية، منصة هامة لإبراز ابتكارات وإبداعات العقل البشري، منذ أكثر من 169 عاماً، عندما انطلقت الدورة الأولى في بريطانيا عام 1851، والتي مهدت الطريق نحو تحوله إلى أكبر تظاهرة عالمية شاملة تخص مستقبل البشرية.
ويأتي انعقاد إكسبو 2020 دبي، على أرض الإمارات، ولأول مرة في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب آسيا، مطلع شهر أكتوبر المقبل، ليس فقط ليكمل مسيرة نجاحات هذا الحدث العالمي، الذي استطاع أن يستقطب على مدار دوراته السابقة أكثر من مليار زائر، ولكن ليدشن مرحلة أخرى فارقة في تاريخ معارض الإكسبو وفي رسم مستقبل العالم، لاسيما في هذه المرحلة غير المسبوقة التي يمر بها نتيجة التحديات التي فرضتها جائحة كوفيد- 19 والتي كانت سبباً في تأجيل انطلاق الحدث لمدة عام.
وعلى مدى أشهره الستة، سيجمع إكسبو 2020 دبي حشداً من أسرته، بما في ذلك المشاركون الدوليون والشركاء الرسميون والجمهور، لبحث الحلول المشتركة للتحديات الملحّة، وتشجيع التعاون من أجل تشكيل ملامح غد أفضل وأكثر استدامة للجميع عبر وضع الحلول المناسبة لهذه التحديات.

قناعة راسخة
والآن، وبعد مرور أكثر من عام على تفشي جائحة كوفيد-1، بات لدى إكسبو 2020 دبي، قناعة راسخة بأن الإنسانية بحاجة، أكثر من أيّ  وقت مضى، إلى التضامن المشترك للوصول إلى حلول تشاركية لأكثر المشكلات إلحاحا في العالم، في الرعاية الصحة والمناخ والتنوع الحيوي، والمعرفة والتعلم، والمياه - للمساعدة في رسم ملامح مستقبل أفضل وأكثر استدامة للجميع.
وكما كشفت معارض إكسبو الدولية على مدى تاريخها النقاب عن بعض أبرز المبتكرات والإنجازات والروائع المعمارية في العصر الحديث بما فيها برج إيفل وبرج إبرة الفضاء في سياتل، والآلة الكاتبة، وجهاز التلفزيون، يتهيأ إكسبو 2020 دبي، لأن يمثل الأمل والثقة في مستقبل البشرية في عصر ما بعد كوفيد-19، عبر إلهام حلول جديدة ومشوّقة لأصعب تحديات العالم، واحتفالا بالإبداع والابتكار والإنسانية والثقافات في مختلف أنحاء العالم.
ويستند الشعار الرئيسي لإكسبو 2020 دبي «تواصل العقول وصنع المستقبل» إلى الاقتناع الراسخ بأن التقدم والابتكار لا يمكن تحقيقهما إلا بالاستثمار في قدرات الإنسان والأفكار الإبداعية بطرق جديدة وفريدة وترسيخ قيم التضامن العالمي لتغيير العالم للأفضل، في حين سيمثل موقع إكسبو 2020 دبي رؤية لمدينة المستقبل، المُصمَّمة من أجل نمط حياة أكثر استدامة يتمحور حول الإنسان، ويزخر بالإلهام المعماري والتشغيلي.

الأمن الغذائي
يمثّل الأمن الغذائي اليوم معتقدا أساسيا لا يقبل الجدال من معتقدات الكرامة الإنسانية الحقيقية، ففي الأسابيع والأشهر الأولى من تفشّي جائحة كوفيد-19، خضعت قدرة جميع البلدان للامتحان، الأمر الذي كشف بجلاء ضعف سلسلة القيمة الغذائية العالمية. 
ومع ذلك، فإنه بعد هذا الامتحان القاسي، يملك العالم الفرصة الآن لإعادة تصوّر تلك السلسلة، وتعلم كيف تتخذ الخيارات الصحيحة وتطبيق أنظمة أكثر استدامة.
 ويقام إكسبو 2020 على خلفية جائحة هزّت العالم وعرقلت أنظمته الغذائية إلى حد غير مسبوق، فهددت الملايين بالجوع وسوء التغذية، هذا الوضع منح إكسبو 2020 دبي، بشعاره «تواصل العقول وصنع المستقبل»، أهمية جديدة، وهي أنه سيمثل منتدى حيوي تعمل فيه حكومات العالم على هندسة تحويل النُظُم الغذائية العالمية للمستقبل.
 ولحسن الحظ، فإن التقنيات الزراعية الحديثة، تمنح الأمل، بالتمكن من إنتاج الغذاء باستخدام قدر أقل من الموارد وبتأثير بيئي أقل، حيث اتخذت دولة الإمارات العربية المتحدة زمام الريادة في هذا القطاع انطلاقا من ضرورة رفع نسب اكتفائها الذاتي بسبب التحديات التي تواجهها في زراعة المحاصيل بطرق تقليدية، وجعلت اعتماد التقنيات الزراعية الحديثة توجها رئيسيا في الاستراتيجية الوطنية للأمن الغذائي، التي تهدف إلى جعل دولة الإمارات مركزاً رائداً عالمياً للأمن الغذائي القائم على الابتكار بحلول عام 2051.

توحيد العالم
 ويرى برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، أنه بإمكان إكسبو 2020 دبي أن يشكّل منصة لتوحيد العالم من أجل تبديل الكيفية التي نزرع بها غذاءنا ونوزعه ونستهلكه ونتخلص منه، داعياً إلى تحرك دولي عاجل نحو بناء أنظمة غذائية عالمية موثوقة، وإلى اتخاذ إجراءات تعاونية جريئة لبناء أنظمة غذائية قوية وموثوقة.

مستقبل الاتصال 
وعلى الرغم مما واجهه العالم خلال الأشهر الاثني عشر الماضية من تفشي جائحة كوفيد-19، والتي شكلت تحدياً ضخماً بكل المعايير، وتطلبت قيودا ضرورية على التنقل والاكتشاف، إلا أننا شهدنا أيضا حقبة استثنائية من الابتكار، جسّدها نجاح مسبار الأمل، وهو أول مهمة عربية لاستكشاف الكواكب، فيما تواصل قطاعات السفر، والسياحة، والخدمات اللوجستية تبني أحدث التقنيات والمنهجيات، لترسيخ مبادئ المشاركة في مجتمع عالمي متداخل ومترابط يرتكز على السفر والاتصال كعاملين أساسين لتقدم المجتمعات والاقتصادات.
المعرفة والتعلّم
أثبتت جائحة كوفيد-19 أن الإصلاح والابتكار في نظام التعليم بات يشكل أولوية مُلحة، للتحول بقطاع التعليم إلى العالم الرقمي، بعد أن برزت إمكانات التكنولوجيا والتحول الرقمي خلال الجائحة إلى تسريع الحاجة إلى إعادة التفكير في التعليم والمهارات وأنظمة التعلم مدى الحياة. 
 ويستضيف إكسبو 2020 دبي، خلال انعقاده وبالتعاون مع دبي العطاء (قمة ريوايرد)، التي ستعيد تشكيل صياغة الحوار العالمي حول التعليم، لدفع حدود التفكير الحالي وتعزيز التعاون بين الحلفاء الجدد من مختلف القطاعات والحكومات، وأيضا بين الأطراف الفاعلة في التعليم العالمي، والشركاء الاستراتيجيين والقطاع الخاص.

مبادئ جديدة 
ومن بين المواضيع الأخرى العديدة التي سيسهم إكسبو 2020 دبي في صياغة ملامحها، تأتي التنمية الحضرية والريفية في صدارتها، بعد أن بات العالم بحاجة ماسة إلى صياغة مبادئ جديدة للتصميم الحضري تواكب احتياجات المستقبل والطريقة التي سيعيش بها سكان العالم، لاسيما في ما يتعلق بكفاءة استهلاك الطاقة وحماية النظام المائي وممارسات الزراعة المستدامة.
ويتوقع أن يشهد إكسبو 2020 دبي اهتماماً واسعاً من قبل أكثر من 100 دولة ستقوم بتناول قضايا وحلول التنية والريفية في صدارتها، بعد أن بات العالم بحاجة ماسة إلى صياغة مبادئ جديدة للتصميم الحضري تواكب أحمية الحضرية والريفية، ومستقبل المدن الذكية التي ستكون مأهولة بالسكان بحلول عام 2050 وما يعنيه هذا التطور فيما يتعلق بالبنية التحتية والخدمات و النماذجَ المؤثرة في توفير الخدمات، مثل المياه والصرف الصحي والصحة، ودور التقنية في هذا المجال، فضلا عن دمج أفضل الممارسات في القطاعين العام والخاص لتحسين جودة الخدمات وإتاحة فرص للجميع.

رعاية صحية
يمثل موضوع الصحة واللياقة العالمية واحداً من أبرز التحديات التي يسعى إكسبو إلى معالجتها عبر جمع الأفراد والمجتمعات والدول معاً لمد الجسور وتمكين العمل وإلهام الحلول، ويدعم إكسبو بالفعل عدداً من الابتكارات والمشروعات ذات الصلة بالرعاية الصحية في أنحاء العالم.
 ويسعى إكسبو 2020 دبي كذلك إلى الإجابة عن مجموعة من التساؤلات، أبرزها الابتكارات والتقنيات التي تغيّر طريقة تعامل المجتمعات مع المخاوف الصحية العالمية، وكيفية تسخيرها لبناء مجتمعات أكثر سعادة وصحة.
فبينما تعد الصحة واللياقة بمثابة محركان أساسيان للتنمية البشرية، لكنهما تحت التهديد – بعد الاختبار الصعب الذي أفرزته أزمة جائحة كوفيد- 19، الأمر الذي سيجعل من إكسبو 2020 دبي المنصة المثالية التي يتسنى فيها لجميع الأطراف المعنية، على مختلف الأصعدة، أن تجتمع لتعيد إنشاء نظام صحي عالمي شامل، من شأنه تيسير وصول المجتمعات إلى الرعاية الصحية – نظام وقائي يحمي الجميع، بدلا من أن يحمي بعضهم فقط.

المناخ والتنوع الحيوي
ومن بين التحديات التي سيعمل إكسبو على مناقشتها ووضع حلول لها، تلك المرتبطة بالمناخ والحفاظ على التنوع الحيوي، لاسيما وأن نجاح الإنسانية في التغلب على تغيّر المناخ وخسائر التنوع الحيوي – اللذين يشكلان معاً تهديداً وجودياً للحياة على كوكب الأرض – معقود على اتحاد العالم، الأمر الذي سيجعل من إكسبو 2020 دبي ملتقى للعقول الأكثر نبوغاً وإلهاماً وطموحاً من أنحاء العالم للتعاون بشأن كيفية معالجة تحديين من التحديات العالمية الأكثر إلحاحا، من أجل الحفاظ على الطبيعة والبشرية.