حسام عبدالنبي (دبي)

 نجحت الإمارات قبل سنوات في توظيف الطاقة الشمسية لتحقيق ثروات ومكاسب للأجيال القادمة، عبر عددٍ من الاستراتيجيات، منها إنشاء مشاريع عملاقة داخل الدولة مثل مجمّع محمد بن راشد آل مكتوم للطاقة الشمسية في دبي، الذي يُعد أكبر مجمع للطاقة الشمسية في موقع واحد على مستوى العالم، وفق نظام المنتج المستقل، وكذا محطة توليد الكهرباء باستخدام الألواح الكهروضوئية في «مدينة مصدر»، التي تُعد الأضخم من نوعها في منطقة الشرق الأوسط، وتهدف هذه المشاريع إلى زيادة القدرة الإنتاجية للطاقة  من مصادر الطاقة النظيفة، ومن ثم تحقيق وفورات طائلة من تقليل استخدام الوقود الأحفوري في محطات الكهرباء.
تضمنت الاستراتيجيات الاستثمار في مشاريع عملاقة لإنتاج الطاقة الشمسية في عددٍ من الدول في أنحاء العالم كافة، ومن ثم تصدير الخبرة الإماراتية إلى الخارج وتحقيق إيرادات جيدة ومتجددة، إلى جانب السماح لأفراد المجتمع ومؤسساته بإنتاج الطاقة الكهربائية من الطاقة الشمسية عبر وحدات الإنتاج من الطاقة الشمسية، التي يمكن تركيبها في المباني والمنازل، وبحيث يتمكنون من تقليل الكهرباء التي يشترونها من شبكة الكهرباء، ومن ثم تخفيض قيمة فاتورة الاستهلاك.
وفي ظل نجاح استراتيجيات الدولة لتوظيف الطاقة الشمسية لتحقيق ثروات ومكاسب للأجيال القادمة، فقد تمكنت الإمارات من توفير خدمات الكهرباء والمياه، وفق أسعار تنافسية على مستوى عالمي بخفض الرسم الإضافي للوقود للكهرباء والمياه، في ظل نجاحها في زيادة نسبة الطاقة الشمسية من مزيج الطاقة المنتجة، فضلاً عن الاستفادة من  مجال البحوث والتطوير في إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية، كأحد أهم الفرص التي يمكن أن تستفيد منها الأجيال القادمة، عبر بناء وتوطين المعارف والخبرات في مجالات مثل «إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية وغيرها من تقنيات الطاقة النظيفة»، و«تكامل الشبكات الذكية»، و«كفاءة الطاقة»، و«المياه»، إضافة إلى تطبيقات الثورة الصناعية الرابعة المتعلقة بمجالات البحوث والتطوير.

  • دبي مقر لأكبر مجمع للطاقة الشمسية في موقع واحد على مستوى العالم
    دبي مقر لأكبر مجمع للطاقة الشمسية في موقع واحد على مستوى العالم

توفير من الشمس
تُعد الإمارات من الدول القليلة عالمياً، التي شجعت أفراد المجتمع ومؤسساته على إنتاج الطاقة الكهربائية من الطاقة الشمسية، بحيث يتمكنون من تقليل الكهرباء التي يشترونها من شبكة الكهرباء، ومن ثم تخفيض قيمة فاتورة الاستهلاك، حيث أصدر سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي، رئيس المجلس التنفيذي، القرار رقم 46 لسنة 2014، بتنظيم ربط وحدات إنتاج الطاقة الكهربائية من الطاقة الشمسية بنظام توزيع الطاقة في دبي.
وعبر النظام، يمكن لأفراد المجتمع والمؤسسات إنتاج الطاقة الكهربائية من وحدات الإنتاج من الطاقة الشمسية التي يمكن تركيبها في المباني والمنازل، وبحيث يتم تصدير الطاقة الكهربائية التي يتم إنتاجها من وحدة الإنتاج إلى نظام توزيع الطاقة (شبكة الكهرباء)، وإذا زادت وحدات الطاقة الكهربائية المُصدرة في أي فترة من فترات إصدار الفاتورة عن وحدات الطاقة الكهربائية المستوردة (المستهلكة)، فإنه يتم ترصيد وحدات الطاقة الكهربائية المصدرة لدى «الهيئة» باسم المنتج، ليتم إجراء المقاصة بينها وبين وحدات الطاقة الكهربائية المستوردة في فواتير الاستهلاك اللاحقة.
وتتيح مبادرة «شمس دبي» لأصحاب المنازل والمباني تركيب ألواح كهروضوئية لإنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية، وربطها مع شبكة الكهرباء. وتهدف دبي إلى وضع ألواح الطاقة الشمسية على جميع مباني الإمارة بحلول عام 2030. وحتى بداية مارس من العام الجاري، تم ربط 6709 مواقع بشبكة هيئة كهرباء ومياه دبي، بقدرة إجمالية تصل إلى نحو 295 ميجاوات في مبانٍ سكنية وتجارية وصناعية.  
ويوجد القرار الإطار التشريعي المنظم لعملية ربط وحدات الإنتاج المنتجة حصرياً من الطاقة الشمسية بنظام التوزيع، بهدف تشجيع أفراد المجتمع ومؤسساته على إنتاج الطاقة الكهربائية من الطاقة الشمسية، والمساهمة في تنويع مصادر الطاقة، عن طريق زيادة حصة الطاقة المتجددة كأحد مصادر تنوع الطاقة الكهربائية، كذلك المساهمة في حماية البيئة، من خلال تقليص آثار الانبعاثات الكربونية، وتشجيع نمو الاقتصاد الأخضر لتحقيق التنمية المستدامة. كما أن قرار تنظيم ربط وحدات إنتاج الكهرباء في المباني والمنازل باستخدام الطاقة الشمسية مع شبكة الكهرباء، يشكل خطوة متقدمة على طريق الاستدامة، وتشجيع المستهلكين على الإنتاج النظيف للطاقة الكهربائية، والاستفادة من خلال هذا الربط مع شبكة كهرباء دبي، بما يحقق التطلعات في بيئة نظيفة واستخدام رشيد لموارد الطاقة.
وحالياً اعتمدت هيئة كهرباء ومياه دبي 135 شركة مقاولات و16 شركة استشارات هندسية لتنفيذ مشروعات «شمس دبي»، أي بإجمالي 151 شركة، وتوفر الهيئة جميع المعلومات والشروط اللازمة لتركيب الألواح الشمسية على أسطح الأبنية، بالإضافة إلى أسماء المقاولين والاستشاريين المعتمدين لتركيب الأنظمة الكهروضوئية عبر موقعها الإلكتروني. كما جذبت مبادرة «شمس دبي» حتى الآن 138 شركة مصنعة، منها 117 شركة مصنعة للألواح الشمسية؛ و18 شركة مصنعة لأنظمة العاكس الكهربائي، و3 شركات مصنعة لأجهزة الحماية البينية، واعتمدت «الهيئة» إجمالي 1632 من المعدات، والتي تشتمل على 1287 لوحاً شمسياً، 342 نظاماً عاكساً كهربائياً، إضافة إلى 3 وحدات من أجهزة الحماية البينية.

استثمار للمستقبل
الاستثمار في مشاريع الطاقة المتجددة والاستفادة من الشمس في تحقيق رفاه الأجيال القادمة من أهم المحاور التي أخذت دولة الإمارات زمام المبادرة فيها، ولذلك تم إنشاء شركة أبوظبي لطاقة المستقبل «مصدر» في أبوظبي بتكلفة مبدئية تتجاوز 15 مليار دولار، وقد نجحت في تنفيذ مشاريع قيمتها 19.9 مليار دولار أميركي، تنتشر في أكثر من 30 دولة بقدرة إنتاجية 11 جيجا واط.
وخلال العام الماضي، واصلت «مصدر» التوسع في الأسواق الدولية، خاصة الولايات المتحدة الأميركية وأستراليا وإندونيسيا، كما وقعت اتفاقيات عدة لتنفيذ مشاريع جديدة في عددٍ من الدول مثل أوزبكستان، كازاخستان، أرمينيا وبولندا.
وتشارك «مصدر للطاقة النظيفة» في تطوير عدد من مشاريع الطاقة المتجددة منها مشروع توريسول، المشترك بين  «مصدر» ومجموعة «سينير»، لبناء وتشغيل محطات لتوليد الطاقة الشمسية المركزة في إسبانيا بمقدرة 120 ميجاواط، وكذلك محطة الشيخ زايد للطاقة الشمسية في موريتانيا، فضلاً عن تطوير مشاريع في عددٍ من دول المنطقة ومنها محطة شعب الإمارات للطاقة الشمسية الكهروضوئية في سيوة بمصر، ومشاريع في السعودية والأردن والمغرب وسلطنة عُمان. 
وتقدم «مصدر للمشاريع الخاصة» حلولاً رائدة للطاقة المتجددة، وتطبيقات التكنولوجيا النظيفة، كما تتولى إدارة المشاريع وتقديم الخدمات الاستشارية. ويمتلك فريق العمل خبرة متنوعة في إنجاز المشاريع المعقدة في المناطق النائية، والتي غالباً ما تكون في مواقع يصعب العمل فيها.

مشاريع عملاقة
وفي إطار توجه حكومة الإمارات لزيادة الاعتماد على الطاقة المتجددة والنظيفة ضمن مزيج الطاقة، فقد تم إنشاء مجمّع محمد بن راشد آل مكتوم للطاقة الشمسية في دبي، ليكون أكبر مجمع للطاقة الشمسية في موقع واحد على مستوى العالم، وفق نظام المنتج المستقل. ويدعم المجمّع استراتيجية دبي للطاقة النظيفة 2050 التي تهدف إلى توفير 75% من القدرة الإنتاجية للطاقة في دبي من مصادر الطاقة النظيفة بحلول عام 2050. ومن المقرر أن تبلغ القدرة الإنتاجية للمجمّع 5000 ميجاوات بحلول عام 2030. وسيسهم المجمّع عند اكتماله في خفض أكثر من 6.5 مليون طن من الانبعاثات الكربونية سنوياً. 
وحالياً تنتج محطة توليد الكهرباء باستخدام الألواح الكهروضوئية في «مدينة مصدر»، التي تُعد الأضخم من نوعها في منطقة الشرق الأوسط، حوالي 17500 ميجاواط ساعي من الطاقة النظيفة سنوياً، فضلاً عن مساهمتها في تفادي إطلاق 15 ألف طن من انبعاثات الكربون سنوياً. وتتكون المحطة من 87780 لوحاً من الألواح الشمسية الرقيقة وخلايا السيلكون المتبلور من شركتي «صن تك» و«فيرست سولار».

أسعار مقبولة
نتيجة لزيادة نسبة الطاقة الشمسية، تمكنت هيئة كهرباء ومياه دبي من توفير خدمات الكهرباء والمياه وفق أسعار تنافسية على مستوى عالمي، بخفض الرسم الإضافي للوقود للكهرباء والمياه من 6.5 فلس لكل كيلووات ساعة إلى 5 فلوس بالنسبة للكهرباء، ومن 0.6 فلس إلى 0.4 فلس لكل جالون مياه. وانعكست هذه الوفورات التي تحققت في استهلاك الوقود نتيجة زيادة نسبة الطاقة الشمسية إيجاباً على المتعاملين، وتم تطبيق خفض الرسم الإضافي للوقود على فواتير الكهرباء والمياه اعتباراً من الأول من ديسمبر 2020.

البحث والتطوير
يُعد مجال البحوث والتطوير في إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية أحد أهم الفرص التي يمكن أن تستفيد منها الأجيال القادمة، حيث يستهدف مركز البحوث والتطوير التابع لهيئة كهرباء ومياه دبي بناء وتوطين المعارف والخبرات في مجالات عمل المركز، والتي تشمل «إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية وغيرها من تقنيات الطاقة النظيفة»، و«تكامل الشبكات الذكية»، و«كفاءة الطاقة»، و«المياه»، إضافة إلى تطبيقات الثورة الصناعية الرابعة المتعلقة بمجالات البحوث والتطوير. ويضم المركز 39 باحثاً وباحثة من بينهم 24 من حَمَلة الدكتوراه والماجستير. وتبلغ نسبة الباحثين والباحثات المواطنين في المركز نحو %70. وقد نشر فريق العمل 55 ورقة بحثية في مؤتمرات ومجلات علمية عالمية، وتم تسجيل براءة اختراع، ويجري العمل على تسجيل 7 براءات اختراع أخرى.