عبد الوهاب العريض (الدمام)

بشرى خلفان، روائية من سلطنة عمان، تعيش عزلتها الخاصة منذ أن تورطت في بحور الكتابة، فالكتابة تعني لها نشاطاً ذهنياً يحتاج إلى عزلته الاختيارية، وبعد رواية «الباغ» التي أعيدت طباعتها ما يزيد على أربع مرات، تعمل حالياً على رواية لم تكشف أسرارها، ولكنها خاضت في عزلة الكتابة التي تزامنت مع جائحة كورونا، وفي منزلها تمارس حياتها تحت سؤال الوقت، وتكرر عبارة كازانتزاكس «لا أريد للقبر أن يأخذ مني أكثر من حفنة عظام».
تقول بشرى خلفان: إن هذه العبارة هي أول ما يخطر في بالها في الصباح، أو «كلما أزحت ستائر مكتبي وجلست للكتابة»، لكنها تضيف:«هل لنا أن نفعل ذلك فعلاً؟ أن نقول كل ما لدينا، أن نكتب كل ما أردنا كتابته، أن نخرج أفكارنا ونطبقها في الواقع، أن ننجز في هذا العمر الصغير كل المشاريع والأحلام التي راودتنا، أن نذهب للقبر بحفنة عظام، ليس أكثر. ونحن نتحجج غالب الوقت، بالوقت ذاته». 
تحدثت خلفان عن الوقت وكيف سيمضي، وعودة الحياة ما بعد زمن كورونا، فقالت: «كنا هكذا، لكن كورونا حدث، فمنحنا الوقت، وقت كثير، ووقت في الآن ذاته قصير. طويل من حيث المدة، وقصير من حيث الديمومة، فهذا الوقت الطويل لا يعرف أحد متى سينتهي، تماماً مثل عمر الإنسان، أي مثل هذا الوقت الممنوح له على الأرض، ممتد وغير مضمون».
تواصل خلفان: تبدو فكرة الوقت مخاتلة، أليس كذلك؟ فحقاً أين يذهب الوقت الذي لا نعيشه؟ أي الوقت الذي نكون أثناءه تحت سلطة شيء آخر، ولا ننجز فيه شيئاً بإمكاننا القبض عليه، مثل الوقت الذي نقضيه عالقين في الزحام، والوقت الذي نقضيه في الانتظار، والوقت الذي نؤجل فيه الأشياء، والوقت الذي نقضيه ساهمين، نفكر في التأسي على فكرة الوقت ذاته، وتسربه من بين أصابعنا كحفنة رمل.
هذا الوقت كله، أين يذهب؟ هل هناك بنك للوقت، يدخر لنا الوقت الفائض الذي لم ننجز فيه شيئاً، لم نخرج فيه أفكارنا للوجود، لم نكتب فيه، لم نعمل فيه على إيجاد صيغة رديفة للوجود من خلال عمل أدبي أو فني.
هذا الوقت، هل يوفر لنا في مكان ما؟ فنعود للمطالبة باستحقاقه واستخدامه لاحقاً في شيء مفيد. نحن الآن في الحجر، منحنا الوقت كاملاً، أربع وعشرين ساعة من أربع وعشرين ساعة، وهذا حتى بالنسبة لشخص متقاعد من وظيفته وبيتوتي مثلي، كثير.
«هذه الأيام ستنقضي».. تقول بشرى خلفان، وتضيف: هناك مثل عماني يقول «كل معدود منقضي»، ورغم أننا لا نعرف إلى متى سنبقى في بيوتنا، ولا نجد ما نعده فينقضي، فإن هذا الزمن سيمضي أيضاً، هذه الأيام ستنقضي، وسيعود الجميع إلى حيواتهم السابقة، وسيمارسون نفس الأشياء، كما في السابق، الأشياء التي لا تمنحهم الرضا، إلا أنها أفضل بالتأكيد من مواجهة ذلك في فقاعة من الخواء، نفس تلك الأشياء التي لا يحبونها في الحقيقة، لكنها تبدو الآن وكأنها كانت جوهر وجودهم، سيعودون إليها، وبعد انقضاء أسبوع على الأكثر، سيتذمرون منها مرة أخرى.
لكن ما الذي نفعله حقاً بكل هذا الوقت الذي توفر بين أيدينا فجأة، ومن دون أن يطالب به أحد، ومن أين جاء؟ أتراه بنك الوقت قد قرر أن يمنحنا كل الوقت المبدد سابقاً، كل الوقت الضائع الذي بكيناه، والذي قلنا إنه لو عاد فسننجز فيه أكثر، وسنكون فيه طيبين وأخياراً أكثر؟
كان كازنتزاكس يريد أن يقف عند الناصية ليتوسل ربع ساعة من كل من يمر به، ربع ساعة فقط من كل واحد منا، عله يستطيع أن يكمل روايته التي بدأها، كان يريد زحزحة الموعد قليلاً، تأجيل الموت قليلاً، لأنه ما زال لديه الكثير لينجزه.