محمد نجيم (الرباط)

دعونا، بادئ ذي بدء، نميّز بين عزلة الفرد المبدع كحريّة هي في العمق، شقيّة، وبهيجة في آن معاً، ينقاد إليها لوازع روحي ورؤياوي صميم، أو جرّاء إكراهات قسريّة تنيخ بكلكلها على كيانه وتطوّح به، ممّا يحتّمه قدره الاعتباري في شتّى المجتمعات والثّقافات، إلى محجر ما، فعلي ورمزي، تتغذّى مخيّلته من ضراوته بينما تنبثق سلواه نصوصاً ومتوناً، صوراً وعوالم، استبصارات وكشوفات، تجترح طريق البشر نحو الأفضل والأمثل والأرقى.. وبهذا المعنى تتصادى عزلة الشاعر العبّاسي، أبي العلاء المعرّي (رهين المحبسين) مع عزلة الشاعرة الرومنتيكيّة الأميركية، إميلي ديكنسون، في منزليهما لعقود.. يتساوى أيضاً سجن الشاعر التّركي، ناظم حكمت، وسجن الشاعر الرّوسي، أوسيبّ ماندلشتام.. نفي الشاعر المصري، محمود سامي البارودي، إلى جزيرة سريلانكا واغتراب الشاعر الإسبّاني، رافائيل ألبيرتي، في منفاه الأميركي الجنوبي. 

عُزلات الكبار
هكذا بدأ الناقد والمترجم والأكاديمي المغربي الدكتور بنعيسى بوحمالة حديثه مع «الاتحاد» حين سألناه عن موقفه من العزل الصحي والتباعد الجسدي الذي يعيشه العالم في الآونة الأخيرة، وأضاف: «يحضر في الذّاكرة انقطاع الشاعر الفرنسي، آرثور رامبو، عن الجغرافيا واللّغة والثّقافة، بل وحتى عن الشّعر، واللّوذ بالصّمت المطبق، هناك في مغتربه الاختياري بالحبشة لمدّة عشر سنين، وما كان من رحيل الرسّام الانطباعي الفرنسي، بول غوغان، صوب جزر المحيط الهادي مقايضاً، جهومة سمائه الأروبيّة بضوء أثير تغدقه عليه عزلته في كنف تلك الجغرافيا البكر والقصيّة.. وفضلاً عن هذه الأمثلة لنا أن نتأمّل، على سبيل التّنويه، في سيرة الممثّلة السّينمائيّة السويديّة الشّهيرة، غريتا غاربو، أيقونة هوليود، وقتها، والتي سيخصّها النّاقد الفرنسي الألمعيّ، رولان بارت، بواحدة من أجمل مقارباته، وقد انحازت، معاندةً مجدها السّينمائي العاتي، إلى عزلة قاسية مديدة لن يستطيعها أيّ كان.. قلت دعونا نميّز بين هذه الطّرز من العزلة المتطلّبة، بقوّة الأشياء في أيّما شرط إبداعي أصيل، باعتبارها صفاء ومسافة، حافزاً وطاقة، وبين العزلة التي قد تفرضها كوارث طبيعيّة أو حروب طاحنة أو أوبئة فتّاكة..، وتزجّ بالفرد المبدع في حجر شمولي منظوراً إليه كمجرّد رقم في سلسلة تضمّ ملايين من أبناء جلدته.
من هذا الضّوء أجدني أقول إنّ ما رافق العزلة الصحيّة، بسبب وباء كورونا المستجدّ، من تقنينات ومواضعات وتداعيات، لم يصل، في حالتي إلى حدّ زلزلة، ما يمكنني نعته بحريّتي الخاصّة في الحركة، ذلك أنّني، ومنذ وعيت، كنت أميل إلى العزلة والانفراد والصّمت، إذ يا ما تضجرني الجموع والضّوضاء، كما أنّي لا أجد راحتي في مجمل اللّغات والطّقوس والافتعالات واللّياقات..، التي كرّستها العادات المجتمعيّة.. لأقُلْ، إذن، إن العزلة الصحيّة إيّاها لم تشكّل، قطعاً، نشازا في حياتي ما دمت قد وطّنت نفسي، منذ أمد بعيد، على تمضيّة القسط الأوفر من يومي في منزلي.. أقرأ أو أكتب أو أنصت إلى الموسيقى، أو أشاهد سينما راقية.. في حين أقتطع، خارج التزامي المهني أو أسفاري، نسبة ضئيلة من وقتي للفضاءات العامّة، إما لملاقاة أصدقاء خلّص، أو لاحتساء فنجان قهوة، والتّماس الحذر مع جلبة الأجساد واللّغات والتّواريخ والذّاكرات.. ومن ثمّ لربّما جاز لي الإقرار بأنّ الأمر ليتّخذ عندي، في ظلّ هذه العزلة الجمعيّة، متّخذ تكريس، ولعلّها مفارقة، لحريّتي الشخصيّة التي تزهر، أصلاً، في رحميّة البيت وطبُغرافيّته الحميمة..
إن فداحة هذه النّازلة الوبائيّة الكونيّة، يقول صاحب «أيتام سومر»، تأتي، أساساً، من تعقّد الحياة الإنسانيّة في العقود الأخيرة.. فمنذ فجر التّاريخ حصل أن دهمت البشريّة أمراض وأوبئة وجائحات، كالسّل والطّاعون والجذري والأنفلوانزا..، لكنّ بساطة الحياة قديماً، إنْ ديموغرافيّاً أو مادّياً أو تواصليّاً، حدّت من آثارها المدمّرة على عكس ما يلعبه النّمط المعولم لمعيش قاطني الكرة الأرضيّة اليوم، وكذا تشابك الجغرافيّات والاقتصادات والمصالح، من دور في مفاقمة اندلاع الدّاء واطّراد مساسه بالحياة، مساسه بحريّة الحركة والسّفر والتّبادل، الشّيء الذي ستكون له عواقب جسيمة على المجموعة البشريّة قاطبة، غير أنّه في مقابل الوجه المأساوي لهذه الكارثة يقيناً أنّ الإبداع لسوف يغنم في المستقبل، وتلك مزيّته، أعمالا سترتقي بالآلام الحياتيّة، بمواجع الذّوات وخطوب الحشود، إلى محكيات وأخيلة وتلوينات منذورة للكونيّة والخلود.. أو لم تفعل هذا الشاعرة العراقيّة المعاصرة، نازك الملائكة، في قصيدتها ذائعة الصّيت «الكوليرا».. ألم يفعله الفيلسوف والرّوائي الفرنسي، ألبير كامو، في روايته «الطّاعون».