فاطمة عطفة (أبوظبي)

لأول مرة، منذ تدميره على أيدي تنظيم «داعش» الإرهابي، وبعد ثلاث سنوات من التوقف، عاد الأذان إلى جامع النوري الكبير، وتعطرت أجواء مدينة الموصل العراقية بصوت المؤذن عماد زكي محمد مشيعاً الخشوع في المكان، وارتفع النداء الخالد معانقاً السماء، مبشراً بالمحبة والسلام.

وقد نظمت وزارة الثقافة وتنمية المعرفة، أمس الجمعة، 26 يونيو 2020، جولة افتراضية مباشرة في موقع جامع النوري الكبير الذي يجري ترميمه بدعم من دولة الإمارات العربية المتحدة، وبثت الجولة على موقع «يوتيوب» لتعريف المشاهدين بتفاصيل الإعمار وتطوراته. 
بدأت الجولة مع أصوات الآليات التي تعمل في ساحة المسجد المخصصة لوقوف سيارات المهندسين والعاملين في إعادة بناء المسجد، وتحدث مصور اليونيسكو عمر العبيدي، مستعرضاً مجموعة من البيوت المهدمة داخل حرم المسجد، ثم تتابعت الجولة في ساحة المسجد والحرم والقبة والمئذنة «الحدباء». 
وبعد ذلك تحدث المهندس عمر طاقة، مقدماً لمحة عن تاريخ المسجد ومئذنته الحدباء والتحديثات التي تجري لإعادة إعماره، مشيراً إلى أنه أقدم وأهم المواقع الأثرية في مدينة الموصل، وقد بني في عهد نور الدين زنكي عام 1172 ميلادية، وبعد عمليات تحرير مدينة الموصل عام 2017، أطلقت اليونيسكو مبادرة لإعادة إعمار المواقع الأثرية. 
ونوه المهندس عمر بدعم وجهود دولة الإمارات العربية المتحدة لإطلاق مشروع إعادة إعمار جامع النوري ومئذنته الحدباء، وأضاف موضحاً: «بعد ثلاث سنوات من تحرير مدينة الموصل، بادرت اليونيسكو والإمارات العربية المتحدة إلى تسلم الموقع، وبدأ العمل بالمرحلة الأولى من المشروع في فبراير 2019، قائلاً: قمنا بتهيئة العمل في الموقع وتنظيفه وإقامة سياج حوله، إضافة إلى تركيب كاميرات مراقبة تعمل 24 ساعة، كذلك أقمنا مخزناً مؤقتاً لتجميع وتخزين الحجر الأثري العائد لكل من المسجد والمنارة، وتم رفع الأنقاض والمخلفات الحربية من حوله، وهذا تم بالتعاون والتنسيق مع الجهد الهندسي للجيش العراقي وشركة أمنية مختصة برفع الأنقاض وإزالتها. ثم جاءت مرحلة مهمة لتدعيم وتسنيد كل ما تبقى من المسجد والمئذنة باستعمال الخشب، بحدود 80 طناً من الخشب». 

  • بجهود الإمارات.. الروح تعود إلى جامع النوري

وأضاف: «وفي ما يخص المسجد، قمنا بتدعيم القبة الخشبية، وهي بارتفاع 10 أمتار، كما قمنا بتدعيم الجدار الجنوبي للمسجد الذي كان بحالة حرجة، وعملنا على إقامة أقواس وأعمدة المسجد الأصلية. أما ما يخص المنارة التي تختلف عن كل منارات العالم، لأن لها مسارين أحدهما للصعود والثاني للنزول، فقد تم تنظيف هذين المسارين وفتحهما حتى وصلنا إلى سطح المنارة، كما تم تدعيم وتقوية الدرج، وبذلك أكملنا المرحلة الأولى من العمل.
وجاءت المرحلة الثانية بتوثيق المنازل الموجودة بالموقع، والقيام بالتحريات الجيوفيزيائية لقاعدة المنارة للتأكد من حجم الضرر الحاصل في أساساتها». 

مسابقة دولية
وقال المهندس عمر: «سنقوم بإعداد تصاميم معمارية في مسابقة دولية لاختيار التصميم المناسب لندخل المرحلة النهائية من العمل»، مؤكداً أن أكثر الشركات التي تنفذ العمل هي من الموصل، وكذلك اللجنة الاختصاصية المشرفة، والتي تتكون من خبراء هندسة وآثار، إضافة إلى المجتمع المدني. وهناك مبادرة سوف تنطلق قريباً من اليونيسكو وأيكروم الشارقة، تضم نجارين وحدادين وبنائين، إلى جانب طلاب من جامعة الموصل لتدريبهم على صيانة المواقع الأثرية. 
وتابعت الجولة في الموقع مع المهندس عبدالرحمن الحجار، من دائرة آثار نينوى، الذي قدم الشكر إلى الإمارات حكومة وشعباً، حيث يجري العمل بالتعاون مع ديوان الوقف السني وإشراف وزارة الثقافة والسياحة والآثار برئاسة د. حسن ناظم، موضحاً أنه تمت إزالة الأنقاض من حول المسجد وفرز الطابوق حسب الحجم ووضعه في الحديقة، ثم سيبدأ العمل في المصلى، وهذه الأحجار مرتبة بنظام ضمن جدول عمل بالأرقام لاستخدامها عند إعادة البناء، ثم عزل القطع المهمة داخل المخزن ثم بدء العمل بالمصلى وترتيب علمي للأعمدة والمحاريب بمقاييس وأرقام لتستخدم في المبنى الجديد عند إعادة بنائه، بالإضافة إلى المحاريب الثانوية التي كانت على اليمين واليسار، ثم يأتي عزل الطابوق بعد تنظيفه ليعاد استخدامه في بناء المنارة من جديد. ومن المعلوم أن المنارة كانت مؤلفة من 7 أنطقة كل نطاق يحمل نموذجاً لتراث معماري فريد يمثل ثقافة وأصالة مدينة الموصل. وقد تم جمع الأفاريز والأنطقة لتتم إعادة استخدامها في المنارة من جديد والاستعاضة عن القطع المفقودة بقطع جديدة، موضحاً أن هذا الطابوق عمره ما يقارب 850 عاماً، وهناك دراسة وبحوث لإعادة ترميمه أو تعويض القطع المفقودة عند اتخاذ القرار النهائي، مبيناً أن دائرة الآثار ستحدد هل ستبنى المنارة في موقعها الأصلي أو في موقع جديد، لأنه لم يبق إلا قطعة واحدة من منارة الحدباء، وهي ستستخدم في بناء المنارة أو ستنقل إلى متحف الموصل كشاهد على شكل البناء الأصلي.

  • بجهود الإمارات.. الروح تعود إلى جامع النوري
    المؤذن عماد زكي محمد

شكراً  لـ الإمارات
أعرب جميع المتحدثين في الجولة الافتراضية عن شكرهم وتقديرهم للإمارات التي تدعم مشروع إعمار الموصل، ومنظمة اليونيسكو، وقال ماهر طه منسق اليونيسكو مع ديوان الوقف السني وهو الجهة المالكة والمستفيدة من المشروع، نيابة عن رئيس الديوان وأهالي الموصل: «نتقدم بالشكر والعرفان لدولة الإمارات العربية المتحدة، حكومة وشعباً، خاصة إلى صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، وكذلك إلى معالي نورة الكعبي وزيرة الثقافة وتنمية المعرفة في الإمارات».