ما يُسمى بـ«أغاني المهرجانات» هو تلك الأغاني الرديئة التي تتسم بإيقاع صاخب راقصٍ ولكنه رتيب، بمصاحبة كلمات سوقية مبتذلة، ويؤديها «ولا أقول يغنيها» أي شخص مهما كان بؤس صوته ورداءته. هذا هو تعريفي لأغاني المهرجانات، ولكني أضيف إليها خصائص أخرى مقترنة بها، أهمها أن هذه الأغاني تبدأ عادةً بإذاعتها على مواقع التواصل الاجتماعي، وسرعان ما تنتشر في الواقع الاجتماعي، لتقترن بحفلات الزواج وأعياد الميلاد، وما شابه ذلك من احتفالات؛ ولذلك سُميت تجاوزاً بـ«أغاني المهرجانات». وقد ظهرت هذه الأغاني في مصر منذ عقدين من الزمان تقريباً، ولكنها سرعان ما انتشرت في كثيرٍ من البلدان العربية، على الأقل على مستوى المتلقي.

الأمر المثير للدهشة هو أن انتشار هذه الأغاني أصبح مذهلاً، حتى إن إحداها قد نالت مؤخراً على موقع «يوتيوب» أكثر من مائة مليون مشاهدة كما قيل وأُذيع! ولكن الأمر الأكثر إثارة للدهشة عندي هو أن يُبادر بعض الكتَّاب، بل بعض نقاد الفن، بالدفاع عن مثل هذا النوع من الغناء المحسوب على الفن الذي نسميه تجاوزاً «الفن الرديء»؛ لأن وصف عمل ما بأنه فن يعني أننا ننسب إليه مجموعة من القيم الفنية والجمالية، والرداءة ليست بقيمة وإنما هي سلب أو نفي للقيمة. وهنا سوف يبادر المدافعون عن هذا النوع من الأغاني إلى القول إن نفي القيمة عن هذه الأعمال والحكم عليها بالرداءة، هو حكم مسبق؛ وسوف يسوقون إليك الحجج التالية التي يرددونها عادة، والتي يمكن إجمالها على النحو التالي: لا يمكن لشيء ليس له قيمة أن يلقى كل هذا القبول من الأعداد الهائلة من المتلقين؛ فاستحسان الجمهور وإقباله على العمل هو دليل على قيمة هذا العمل. كما أن افتقاد هذه الأغاني للقيمة ووصفها بالتفاهة بسبب استخدامها كلمات تافهة مبتذلة، لا ينتقص من قيمتها، بدليل أن العصر الذي نسميه بـ«عصر الفن الجميل» وعصر الأغاني الجميلة قد شهد مثل ذلك، كما في بعض أغاني المطرب أحمد عدوية على سبيل المثال. إضافة إلى ذلك، فإن كل عصر في النهاية له ذوقه الخاص؛ ومن ثم فإننا لا ينبغي أن نحاكم هذه الأغاني قياساً على ذوق ينتمي إلى الماضي. تلك هي الحجج الثلاث الرئيسة التي يسوقها عادةً المدافعون عن هذه الأغاني. 
 وعندما نتفحص هذه الحجج، نجد أنها تقوم على نوع من الخلط الفكري: فالقول إن العمل الأكثر قبولاً وانتشاراً هو العمل الأكثر قيمة، يشبه قول إن الكتب الأكثر مبيعاً هي الأكثر قيمة. وهذا كلام ظاهر البطلان؛ لأنه يخلط بين القيمة الفنية أو الأدبية وبين القيمة السوقية أو الاستهلاكية! ولو أخذنا بهذا المنطق المغلوط، لكانت أغاني المهرجانات- التي نال بعضها مؤخراً مشاهدة الملايين- أفضل من أي أغنية عظيمة في الشرق والغرب منذ نشأة هذا الفن وحتى يومنا هذا. أما تفسير هذا النوع من القيمة السوقية أو الانتشار، فهو سهل يسير لكل ذي فطنة أو عقل سليم؛ ولعل السبب الرئيس في معظم الحالات يرجع إلى أن هذه الأغاني تستخدم عبارات جنسية وإباحية، وعلى الأقل عبارات سوقية تجد استحساناً لدى العوام في يومنا هذا. وعلى النحو نفسه، فإننا لو أخذنا بهذا المعيار، لكان أي كتاب فضائحي مما يعد الأكثر مبيعاً، أفضل من كل الأعمال العظيمة في مجال الفكر والأدب على مر التاريخ بما في ذلك عصرنا الراهن، ناهيك عن أمّات الكتب في مجال الفلسفة!
 ولا مراء في القول إن كل عصر له ذوقه الخاص، ولكن هذه النسبية التاريخية للذوق لا تعني نسبية القيمة الفنية أو الجمالية «تماماً مثلما أن نسبية الأحكام الأخلاقية بين الناس لا تعني نسبية القيم الأخلاقية العليا». فالذوق الجمالي قد يكون راقياً أو وضيعاً، وكثير من الناس قد لا يكون ذوقهم الجمالي منحدراً فحسب، بل قد يفتقرون إلى أي ذوق، وتلك أمور تتوقف على مدى ثقافة المرء العامة، وثقافته الفنية على وجه الخصوص. 
 وعلى هذا يمكن القول، إن شيوع أغاني المهرجانات هو نتيجة لانحدار في الذوق الجمالي العام. وقد يرى البعض في هذا الحكم نوعاً من الاستعلاء على الشعب والجماهير، ويصفونه بصفة «النخبوية» وما شبه ذلك من أوصاف؛ وكأننا في مزايدة على الوطنية واستمالة الجماهير، في حين أن ما يسمى «أغاني المهرجانات» هو بالضبط أغانٍ ضد أي وطن يريد أن يكون وطناً بحق؛ لأنها تكرس حالة فساد الذوق العام بدلاً من أن ترتقي به مثلما يفعل أي فن. إن فساد الذوق الجمالي العام هنا يعبر عن نفسه في افتقار هذا الذوق إلى الحد الأدنى من الثقافة الفنية اللازمة لتقدير أي أغنية. إنه ذوق لا يعرف ببساطة العناصر الأساسية الفنية اللازمة لأي عمل فني حقيقي. ولذلك فإن الأجيال التي ألفت فيما مضى روائع الأغاني من شعرائها الكبار، وروائع النغم من أساطينه، وروائع الأصوات الغنائية التي يكاد يكون لكل منها بصمة لا تخطئها الأذن، هي أجيال لا يمكن بأي حال أن تتقبل سماع هذا الغثاء، والعكس صحيح بالضبط. ومن التضليل هنا القول إن العصر السابق الذي كان يغني فيه المطربون العظام، قد غنى فيه أيضاً مطربون شعبيون من أمثال أحمد عدوية ومحمد رشدي. والخطأ هنا في محاولة إضفاء الشرعية على أغاني المهرجانات، بينما «الأغنية الشعبية» هي فن قائم بذاته له أصوله، بل علومه. فمناط الأمر هنا يكمن في مستوى الغناء «من حيث عناصره السابقة» الذي يُقدّم تحت مسمى «الفن الشعبي».
 وفي النهاية، لا ينبغي أبداً أن ننسى أن عصر الكبار في الفن بوجه عام وفن الغناء بوجه خاص، لا ينفصل عن عصر الكبار في الفكر والثقافة العامة وفن الأدب خاصةً، بل هو العصر ذاته. أما السؤال: لماذا يفسد الذوق الثقافي العام في عصر ما؟ فهو سؤال آخر يطرح مسألة أخرى تستحق مناقشة مستفيضة.