غالية خوجة (الاتحاد)

الرقص المثقف أقرب إلى «يوغا الأرواح» لأنه يدفع الروح إلى ضوء آخر متناغم مع التأمل والأداء الجسدي والنفسي، ليضيف إلى الهالة الكهرومغناطيسية للإنسان اتساعاً آخر، فتتحرك ألوان الطاقة برشاقة وتضيء هالاتها الملونة بإيقاعات النبض المنسجمة مع الموسيقى، هذا ما تختزله مرايا «المولوية» - مثلاً - التي ابتدأها جلال الدين الرومي عاكساً الناي والنأي والنار بتحولات إيجابية، ولا تبتعد عن ذلك رقصة «الفلامنغو» التي تجعل الروح محلقة مع طرقات القدمين على الأرض والدوران مع الفضاء بأجنحة من نغمات.
لكن ما يجمع كل هؤلاء، «اليوغا» و«الرقص الأندلسي» و«المولوية» و«الفلامنغو» و«رياضة الجمباز»، هو فن الباليه الذي يكثف حضوره على المنصات الأوبرالية والمسارح الكبرى، ليحكي الروايات والقصائد بصمت وموسيقى وتفاعلات تعبيرية بين الروح والقلب والجسد، وكم من رقصات جسدها فن الباليه بثقافة عالمية، راسماً لوحات تشكيلية، وسيناريوهات مسرحية وفيلمية، وحالات إنسانية عابرة للزمان والمكان! 
أمام راقصات الباليه الثلاث اللواتي يؤدين رقصة الحضارات في الردهة الكبرى في متحف اللوفر أبوظبي، ترحل الروح وراء تجليات هذا الفن العالي، فتحضر روائع مثل: بحيرة البجع وكارمينا بورانا، وكسارة البندق وحلاق إشبيلية، وغيرها.
إلاّ أن منحوتات راقصات الباليه الثلاث تجعلنا نؤلف نصاً حكائياً وموسيقياً خاصاً بكل منا، ونحن نتأمل الثياب المنسابة بهدوء وثبات، متخيلين الحركة التي قبل هذه الوقفة، وكيف استدارت الراقصات على إيقاع داخلي تعكسه ملامح الوجه، لعلها الحركة الختامية لأمسية باليه حدثت في دار الأوبرا الروسية، أو الدمشقية، أو الباريسية، لكنها في جميع الأحوال ما زالت تحدث في أبوظبي، وتختتم عرضها يومياً في اللوفر أبوظبي. 
وللمتأمل قليلاً في حركة الراقصات أن يكتشف كيف تقف إحداهن برومانسية واثقة وكأنها تمتلك العالم، لأنها تقرأ أعماقها بصفاء مدهش، تدل عليه ملامح الوجه، والعينان المغمضتان على الموسيقى، والرأس المائل إلى جهة القلب، واليد اليمنى المرفوعة بسلام، لتعبّر بطريقتها عن رقصة الوشاح التي ارتآها فنانها أغاثون ليونار، وهو يضفي على منحوتته الخزفية من نوع البورسلان لمسة من الباليه الفرنسي بين عامي 1905 و1914، لتخرج من المتحف الوطني للسيراميك، وتأتي لتكمل حركتها في أبوظبي، وتبدو أنها أول من أنهت الحركة بين الراقصات واختتمت السيمفونية. 
بينما تبدو شخصية الراقصة الثانية، التي تتوسط الراقصتين، وكأنها ستختتم رقصتها، بعدما تنظر بعينيها المفتوحتين إلى الراقصة الأولى، لتستدير إلى المتلقين وتقف لتحيتهم، وهذا ما تبوح به حركة اليدين والذراعين وحركة الهواء على الأكمام ورشاقة القدم اليسرى وهي تحطّ بهدوء وثقة على المنصة، متباهية بسلالتها الصينية تانغ، التي تعود إلى ما بين عامي (700و800)، وطاقتها المشعة من فخارها المطلي بانسيابية، فقد جاءت من متحف الفنون الآسيوية غيميه، لتشارك برقصتها مع الراقصتين الأخريين في المتحف الجميل. 
وتسبق الراقصة الثالثة الراقصة الثانية بالوقوف من خلال ثبات القدمين الرشيقتين، وحركة الذراعين، والاتجاه نحو المتلقين بطمأنينة العينين المغمضتين على حوار داخلي مع الذات والموسيقى بعد حوار راقص أدّته مع الراقصتين، وجعلتنا نسترجع من خلال المساحة الحاضرة بين الحركة وما ترسّب منها من طاقة حيوية، لتخبرنا من خلال فخارها المطلي ونصوصها الشفافة عن ابتهالات حدثت، وأنشودة ما زالت تملأ الفضاء، وترنيمة تتسلل من البعيد، من الحضارة الهيلينية ما بين عامي (225و275) قبل الميلاد، حاكية عن رحلتها بين جهات الأرض ومنها ليبيا واللوفر. 
هذا ما توحي به اللحظة الراقصة بين الحضارات المتنوعة، وتعايشها وتسامحها ومحبتها في اللوفر أبوظبي، الذي يجمع راقصات الباليه الثلاث بانسجام وسلام، مؤكداً على وحدة الثقافات المختلفة.