محمود إسماعيل بدر (الاتحاد) 

منذ أن اجتاح وباء كورونا العالم، انتشرت ظواهر لافتة، أبرزها الطرق المبتكرة والملهمة التي تعاملت بها المدن والبلدان ومؤسساتها الثقافية مع هذا الضيف الثقيل، الذي كشف لنا عن سمات ثقافية تميّز بها كل بلد عن غيره، وأعاد إلى الواجهة أهمية الثراء والتنوّع الثقافي، ولو عن طريق «الافتراضي»، ومن ذلك المشروع الثقافي الافتراضي الذي أطلقته دارة الفنون في عمّان، تحت عنوان «إنترنت الأشياء»، وقدمت تحت مظلته عرضاً أدائياً بعنوان «شمسك في شاشة، قمر يلمع»، قدمته الفنانتان الأردنيتان المقيمتان في أميركا، بيان كيوان، وجوليانا فاضل، في إطار «مسرح الذاكرة» و«مسرح الأخبار»، حيث يعيد إلى الأذهان صورة متفرّج مسرح اليوم وحيداً أمام الشّاشة بدلاً من الخشبة. 
في هذا السياق يستفيد مسرح الذاكرة من تقنيات «فن الذاكرة»، وهي سلسلة من الأساليب التي تسمح بحفظ المعلومات بشكل أفضل من خلال ربط الأماكن الذهنية بالمعلومات، أو من خلال مكانيَّة الذاكرة. ليس هذا فقط، بل من خلال تخيل التجسيد الفعلي للذاكرة البشرية وتوسيعها إلى المعرفة الجماعية على الخشبة.
«الرّسم في الفوضى» هو العنوان الأبرز والأهم في عرض الفنانتين بيان كيوان (فنانة وسائط متعددة، وتشكيلية عالمية مرموقة)، وجوليانا فاضل (تشكيلية ومناهضة للعنصرية) ومحاولتهما التعامل وتنظيم فوضى الوباء، وبخاصة في مدينة نيويورك حيث تقيمان، وتبرزان بمهارة عالية التغييرات الهائلة التي أحدثتها الجائحة في العالم والحياة اليومية، والتي تشمل حركتنا ولبسنا وتفاعلنا مع بعضنا بعض، ومع البيئة والأشياء المحيطة، ما يضعنا أمام عالم آخر، جديد وغريب، عالم آخر ممكن (إن كان ذلك للأفضل أو الأسوأ)، كما يبدو في عمل جوليانا فاضل، الذي يدور حول الظواهر والتقاليد والأحداث غير المادية والعابرة التي تجلّت في ظل مواجهة الجائحة وسيادة العرق الأبيض، ونبذ العنصرية، لكن في المجمل العام يلفتنا جمال وروعة هذا الأداء، حينما تتحول فضاءات مسرح الذاكرة إلى لوحات مسرحية ثابتة ومتحركة في الذهن، فيما يبدو الأجمل في ما تطرحه الأفكار والمضامين من سياقات مفعمة بالأمل والتحدي في معركة كسر الإرادات مع الوباء المدمر الذي توحش بما يكفي. 
عن مشروع «إنترنت الأشياء» قال نائب مدير دارة الفنون، مدير المعارض الفنان محمد شقديح لـ «الاتحاد»: هو مشروع معرض يتيح مساحة للتساؤل والبحث الجماعي، من (وبواسطة) الحجر. يتنقل المشروع بين الأونلاين والأوفلاين، عابراً للمؤقتيّات، وهو أيضاً دعوة للتّفكر من موقعنا خلف الشاشات، ولتفكيك الأزمة والبنى الاجتماعية والفضاء السّيبراني والقلق والتكنولوجيا والجغرافيا وسياسات الجسد، من البث الحي إلى التغذية الإخبارية، ومن الوسيط وسخطه إلى حالة الطوارئ. 
وأكد شقديح على أهمية ونوعية هذا العرض الذي يشكل تجربة بصرية حديثة في دراسة الفن التشكيلي عبر المسرح، كونه يسعى للاشتباك مع الراهن ضمن فهم جديد للفن المعاصر ووسائل التعبير وطرق التلقي، فالأعمال التي تزيد عن 30 عملاً تطرح وتوثق بوعي للمنطقة الفاصلة بين الوطن والمنفى والغربة والحنين والوجع من تأثير وباء لا يهدأ.