محمد نجيم (الرباط)

وجوه تحمل تعابير الحيرة والقلق وتبدلات وتشوهات بفعل الشيخوخة وربما بفعل الألم والحروب والمجاعات وصراع الفرد مع ذاته ومع اليوميّ القاهر. تلك هي مضامين لوحات الفنان المغربي حميد الدويب، حبلى بالدلالات وبأبعاد فنية وجمالية شديدة الدقة، وهي دقة ينقل من خلالها الفنان رؤيته وفلسفته ليصبّها في قالب فني تصِل إلى أعماق المتلقي نظراً لبساطتها ومحتوى الفكرة التي يعالج بها اللوحة.
بعيداً عن التعقيد والتجريب الذي يجد المتلقي فيه نفسه عاجزاً عن فهم اللوحة وسبر أغوارها يحفر الفنان حميد الدويب بريشته عميقاً في دهاليز النفس البشرية. ولقد نجح هذا الفنان المغربي والعالمي الشهرة، الذي قضى أربعة عقود من حياته في الديار البلجيكية مُحتكاً، هناك، بأشهر المدارس الفنية الأوروبية والعالمية، في إبلاغ رسالة الفنان الملتزم بقضايا الإنسان وما يعيشه من تحولات وحروب ومآسٍ وتقلبات ومجاعات. فنان توغل إلى أبعد حد، بلغة الكشف والتعرية والغوص، في الدواخل الإنسانية وفي أعماق الذات المنكفئة على حالها، والتي تنصت لأوجاعها وخيباتها وما تعيشه من انكسارات وأوجاع.
هذا الفنان يوصف لدى نقاد الفن في المغرب وفي أوروبا بالفنان الذي ينتمي للمدرسة الواقعية، لكنه صرح لـ «الاتحاد» أنه لا ينتمي لتلك المدرسة، فله رؤيته ونظرته الخاصة في التعبير الفنّي، في رسم الجسد وملامح الوجوه وأصابع اليدين التي تعكس حيرة الإنسان وقلقه، وأضاف أنه صنيع نفسه، وأعماله الفنية تستدعي الكثير من التأمل لفهم مغزاها، مشيراً أن لوحته تحثُّ على التأمل وإعمال الفكر وقراءة ما بين الخطوط والظلال والفراغات لفهمها، مشدداً أنه لا يتفق مع من يصفون أعماله بالواقعية لأن رهانه وجوهر أعماله الفنية، التي جالت بقاع العالم وعرضت في كبريات الأروقة والمتاحف العالمية هو ذلك الحضور القوي للإنسان والمصير «الإنساني».
 في لوحاته التي، رغم ما يكتنفها من غموض، يبقى الإنسان حاضراً بمفرداته الحياتية، مشتغلاً على تعابير العينين وتجاعيد الجبين وتشابك أصابع اليدين في تكاتف وتلاحم جمالي يعكس حيرة الإنسان وتيهه وتشظّيه، محاولاً استخراج واستنطاق المُوغل والغميس في أعماق الذات البشرية.