في أوّل إشراقة لها، بزغت رواية «أستاذ الغو»٭ سنة 1951 في مجلة (شينشو Shincho) قبل أن تُنشر في كتاب سنة 1954، وأعقبتها روايات أخرى كـ«بيت الجميلات النائمات» 1961، والعاصمة القديمة 1962، وجمال وحزن 1964. تستهل الرواية وقائعها بتاريخ موت «شوساي» أستاذ لعبة الغو، داخل نزل «أوروكويا» صبيحة 18 يناير سنة 1940، في السادسة والسبعين من عمره. حادثة وفاته هذه تلي ليلة 17 في «آتامي» الشهيرة بمناسبة أو مهرجان يحتفي بالكاتب «كويو» صاحب رواية «ذهب الجان» وتذيّل متنها الحكائي بجنازته فيما يشبه هندسة دائرية. السارد هو الصحافي «أوراغامي» الذي اضطلع بتغطية صحفية لآخر مباريات «شوساي» في بطولة الغو بتكليف من صحيفة «طوكيو نيشينيشي شيمبون» ودوّن تقريراً عنها في أربعين حلقة. البطولة المثيرة استغرقت نصف عام عبر 14 جولة، أجريت في طوكيو بدءاً من 16 يونيو 1938 في مطعم «كويوكان» وانتهاء في 4 ديسمبر بنزل دانكوين في كيتو.

كان أستاذ الغو قد وصل إلى «آتامي» في 15 وتوفي في 18 كأنما جاءها ليموت لا غير، وفي يوم 16 من الشهر نفسه زاره الصحافي «أوراغامي»، ولعب معه الشطرنج قبل أن تتدهور صحته، فكان آخر من التقط له صورة وهو على قيد الحياة.
توثق الرواية بتقنية التسجيل الصحافي لوقائع المباراة هذه بدقة محكمة عبر استرجاعات الذاكرة واحتكاماً إلى تخييل ذاتي يضمر كتابة سيرة بطل اللعبة المريب من جهة، والتعريف بجماليات الغو من جهة ثانية. فلعبة الغو الغامضة والمعقدة ذات أصول صينية وفدت إلى اليابان وتطورت عبر قرون، لتأخذ شكلها الأجمل والأعمق عكس شكلها الأولي البسيط: (لقد فتح اليابانيون الباب أمام القوة الاحتياطية لتلك الحكمة وهو درب الثلاثمائة والواحد والستين، والذي رأى الصينيون أنه يشتمل على مبادئ الطبيعة والكون والحياة الإنسانية، وقد أسموه نهر الخالدين، لعبة القوى الروحية الوفيرة. لقد بات واضحاً أن الروح اليابانية ارتقت بالغو فوق مستوى المستورد الطارئ المشتق) ص 102. والصينيون الذين يحترفون لعبة الغو أنفسهم لا تتفجر عبقريتهم في اللعب إلا بعد أن يزوروا اليابان أو يترعرعوا فيها، والحالة الأمينة لهذا المثال تجد صدقها في البطل الصيني «وو»، الذي ستجمعه مباراة تاريخية مع «شوساي» تفرد لها الرواية فصلاً في المقطع 29.
ينازل بطل الغو «شوساي» في مباراته الأخيرة خصماً يدعى «أوتاكيه»، ترصد الرواية الحالات المتعاقبة لملامح وجهيهما وانفعالاتهما على طول فراسخ الجولات: (في جلوسهما إلى الرقعة قدم الأستاذ وأوتاكيه نموذجاً للتعارض الصارخ: الهدوء أمام الحركة الذائبة، سكون الأعصاب أمام التوتر العصبي) ص 37. وهو رصد مشفوع بسيرورة تحولات مناخية – رذاذ ومطر وثلج وخريف وشمس...الخ - تتناغم وطبيعة أطوار الجولات ومتغيّرات حساسية اللاعبين.

«أوتاكيه» الشاب يعي تماماً أنه يباري أسطورة الأستاذ الذي لا يقهر، وإن أمسى شيخاً يعاني هنات حرّى، منها علّة القلب ويخشى أن يلْحقه عارٌ تاريخي من أنه يواجه بحقارة مريضاً وبجشع وضيع يطمع في هزيمته والظفر باللقب. الجريدة التي نظمت المباراة تدرك مسبقاً الخطر المحدق بأستاذ الغو العجوز، لكن طموحها التجاري أقوى وهي منصرفة إلى إنجاح التظاهرة بأي وجه من الوجوه وغير مكترثة بالوعكات الصحية المتوالية التي كانت تنتاب «شوساي»، أما أستاذ الغو «شوساي» فكأنه نذر نفسه للشهادة في سبيل الفن. إنه آخر نموذج لإرث الغو كنمط وجود وأسلوب فني. يخوض معترك المباراة دفاعاً عن جمال اللعبة وعمقها الأنطولوجي والتاريخي. هي الكرامة والنبل والشرف والطهارة ضد الدنس والتلفيق والتقنية. صراع القديم والجديد. غير أن شهوة «شوساي» للعب لا تقتصر على لعبة الغو، بل يستعين بالشطرنج والبليارد والمهاجونغ بعد انتهاء الجولات: (لعب ليلاً ونهاراً، وبدا هوسه مثيراً للمتاعب والقلق، فلم يكن يلعب لنبذ الكآبة أو دفن المال بقدر ما كان يلقي بنفسه بين أنياب شرور اللعب) ص 95. ولأن المعارك الفعلية تشهد تحقق الغامض الذي كان طيّ المجهول مع الأقدار التي تختتم في برهة وجيزة وفق توصيف «ايواموتو» بوقار: «هكذا تكون الحروب»، فالمنعطف الحاسم سيفاجئ الصحافي «أوراغامي» الذي لم يدرك كهاوٍ بأن نقلة الأبيض 130 تعني هزيمة الأستاذ الذي لا يقهر، وهذا ما تأكّد له حين همس أستاذه بخفوت متوتر: «المباراة انتهت. لقد أفسدها أوتاكيه بتلك اللعبة المختومة. كانت أشبه برشق الحبر على صورة جهدنا لرسمها. لقد شعرت فور رؤيتي للعبة أن المباراة باطلة. كأننا نقول للعالم أنها القشة الأخيرة» ص 139.
لم تكن مباراة إذا بقدر ما كانت عملاً فنّياً خلاقاً حرص أستاذ الغو على إنجازه بإخلاص وجسارة، لولا أن أفسدها الخصم بحركة مخاتلة، وضيعة وغير عادلة.
مغامرة كاواباتا
يسلك ياسوناري كاواباتا مسلكاً مغامراً في رواية أستاذ الغو – المفضلة لديه شخصياً من بين كل أعماله -، إذ يحول وقائع مباراة تاريخية حدثت بالفعل سنة 1938 وثقها بنفسه لمصلحة صحيفة «ماينيشي»، ينزاح بها تخييل الرواية عن الخلفية الواقعية ويصوغ عالماً حكائياً يوهم بفنّ السيرة. فالارتهان للسيرة والتوثيق الصحافي هنا يتحول ضمن اشتغال أدبي صرف تتحقق معه جمالية نص مختلف. مغامرة كاواباتا في هذه الرواية ليست في اتكاء نصه الروائي على خلفية تاريخية وصحفية، بل في جسارته على تحويل وقائع ويوميات عادية لمباراة إلى عمل فني خلاق، عملٌ مركب يتماهى مع تركيب وتعقيد لعبة الغو نفسها. فتداخل الزمن يوازيه اشتباك السرد بالشعر وامتزاج الوثيقة بالأدب وتواشج التحليل السيكولوجي بالمقال...الخ
وإذ ينجح ياسوناري كاواباتا في رسم الأشياء بلغة بلورية كأنه ينجز بورتريهات بالغة الشفافية، فالتعقيد يظل قائماً فيما يتعلق بفهم منطق اللعبة وقانونها وطرائق ممارستها. فهمٌ امتنع حتى على الصحافي «أوراغامي» نفسه الذي يسجل يوميات المباراة وهو يقرّ بذلك في أكثر من مناسبة وهنا الوجه الآخر لمجازفة الرواية، التي وسمها «يوكيو ميشيما» بأخطر أعمال كاواباتا، ربما لأن المادة الحكائية للعمل تبدو علناً باردة ومؤسسة على فكرة ليست في قيمة إغواء رواياته السالفة «راقصة إيزو» على سبيل المثال، غير أن المضمر في العمل ينجح تماماً في صنع الدفء الممتنع وراء المادة الباردة للحكاية ويبتكر من شخصية «شوساي» بطلاً مأساوياً يتمثل تاريخ مرحلة ما قبل 1945، ومباراة الغو 1938 تجسيد رمزي للتحول الياباني الصارخ، بانجراف ثقافته الأرستقراطية أمام الزحف الدامغ للغرب الرأسمالي والتقني.
إنها لعبة سردية موسومة بالخطورة فعلاً، يلعبها كاواباتا في روايته على مقاس لعبة الغو، إذ تتماهى بنية النص مع بنية اللعبة، وليس يكتفي فقط بإرفاق نماذج صور بيانية لها، بل يشتبكان ويختلقان شكلاً جديداً للرواية يصعب استبيانه مباشرة، لأنه إيحائي طيّ الغامض والمضمر.

٭ياسوناري كاواباتا، أستاذ الغو، ترجمة صبحي حديدي، دار التنوير، بيروت، 2007.