مياسة سلطان السويدي*

«في هذه اللحظة أنا وحيد، ما الذي أريده أكثر؟ سعادة عالية لا وجود لها، نعم إنه السمع من خلال الصمت، وبهذا تهيم وحدتي» هكذا يصف «أميل سيوران» مشاعره حين يكتب، لكن، ما الوحدة؟ وما العزلة؟ وما الفرق بينهما؟ أيهما أكثر إيجابية أو سلبية من الآخر؟ هل الناس الوحيدون أكثر عزلة من الآخرين؟ هل ممكن أن تكون وحيداً وأنت بين حشد من الناس؟ وهل ممكن أن تكون بمفردك دون أن تشعر بالوحدة؟ وما الفرق بين أن تكون وحيداً وأن تكون منعزلاً؟ كل تلك التساؤلات ناقشها الكاتب والفيلسوف النرويجي لارس سفيندسون في كتابه «فلسفة الوحدة».

إن ما مر به العالم أجمع مؤخراً مع جائحة كورونا، وتعرُّض أعداد كبيرة من البشر إلى الحجر الصحي، وفرض التباعد الجسدي لفترات زمنية طويلة، اختلاف جذري في ممارسة أدوارنا الاجتماعية، أعمالنا وجدولنا اليومي وعلاقتنا مع من حولنا، إجبارنا على الخروج من دوائر راحاتنا وتبني أسلوب جديد لم نعتد عليه، هذا ما أثار الكثير من التساؤلات للبحث عن تأثير كل ذلك علينا، ويحاول سفيندسون شرح الوحدة في كتابه من خلال السياق الاجتماعي والبيئة، وليس من خلال التصرف الفردي، بالرغم من كون الوحدة ظاهرةً ذاتيةً.

مَن الوحيد؟
يبدو أن للوحدة عواقب تؤثر على قدرتنا على العمل في الحياة اليومية، ويمكن أن تتطور، حيث تزيد بشكل كبير من خطر الاضطرابات العقلية والجسدية، فقد أثبتت الدراسات أن الأفراد الوحيدين يستهلكون الخدمات الصحية بمعدل أعلى من الأفراد غير الوحيدين، كما أن الشعور بالوحدة يؤثر على ضغط الدم والجهاز المناعي، ويسبب زيادة في هرمونات التوتر في الجسم، كما يزيد من خطر الإصابة بالخرف، ويضعف القدرات المعرفية بمرور الوقت، ويبدو أنه يسرع عملية الشيخوخة، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: مَن الوحيد؟

الوحدة وعواملها النفسية
تحظى الوحدة -في الأدب النفسي والاجتماعي- بالاهتمام أكثر من العزلة، ولكن، ما تعريف الوحدة؟ كما جاء في الكتاب، أن الوحدة ليست تشخيصاً نفسياً، فهي ليست مرضاً ولكنها ظاهرة إنسانية عامة، فكونك وحيداً ليس في جوهره إيجاب ولا سلب، حيث يعتمد كل شيء على الكيفية التي تكون فيها وحيداً، فنحن لا نختبر جميعاً المشاعر بالطريقة نفسها، الوحدة ظاهرة ذاتية منفردة ولا يمكن تقديرها كمياً على أساس معايير موضوعية، فقد تشعر بالوحدة حين تقضي الوقت لوحدك، حين تكون محوطاً بأشخاص منشغلين ببعضهم بعضاً، حين يغادرك من كان معك لأي سبب من الأسباب، أو حين يهجرك من تحب.
تفصلك الوحدة عن الآخرين بطريقة هادفة، وفي هذا الصدد فإنها تفصلك أيضاً عن جوانب مهمة من نفسك، ولأي سبب كان لا يمكن أن توجد وتتطور إلا من خلال علاقتك بأشخاص آخرين، فأنت لا يمكنك أن تصبح إنساناً في جو العزلة المنفرد، حيث إن تجاربك مع الآخرين هي التي تشكل إنسانيتك ذاتها. يتحدث آدم سميث حول رعب العزلة ويقول: إنه يجبرنا على البحث عن أشخاص آخرين، حتى عندما نشعر بالخجل، ونريد الهرب من النظرة التقديرية للآخرين، نحن بحاجة لمراقبة الآخرين لنا.
والأفراد الوحيدون يعانون فرط الحساسية الاجتماعية، ويميلون إلى أن يكونوا أكثر اهتماماً بكيفية إدراك الآخرين لهم، ويتفاعلون بقوة أكبر، وغالباً ما يتم تفسير الكلمات والأفعال البريئة على أنها عدوانية، فهم يبحثون عن علامات الرفض في الآخرين، وبالتالي يجدون المزيد من علامات الفشل، فيكون الشعور بالوحدة خياراً آمناً، حتى لو كان مؤلماً.
وقد أظهرت الدراسات، وجود علاقة عكسية واضحة بين الشعور بالوحدة والثقة، فكلما زادت ثقة المرء بنفسه قلت حدة الشعور بالوحدة، وكلما كان أقل ثقة ازداد الشعور بالوحدة، كما أن عدم الثقة يمنعك من الوصول إلى خارج نفسك، بإبعادك للآخرين، ويمكنك أيضاً إبعاد نفسك داخلياً، وعلى الأرجح سترافقك الوحدة هناك.

  • أميل سيوران
    أميل سيوران

العزلة من وجهة نظر فلسفية
تناولَ كتابُ «فلسفة الوحدة» لسفيندسون تفصيلاً دقيقاً للشعور بالوحدة، الذي نفضل أن نتجنبه، لأنه أمر مؤلم، ولكنّ هناك أيضاً شكلاً آخر من أشكال الوحدة، وهو شكل إيجابي، نسعى إليه، لأنه يضيف لحياتنا قيمةً، إن معظم أوصاف الوحدة هي رثاء، ولكن الفلاسفة يمتدحون العزلة، وليس الوحدة، ويكمن النقص في أصل الشعور بالوحدة على الشعور بالألم وعدم الراحة، في حين أن العزلة لا تحتوي بالضرورة على أي مشاعر معينة، وغالباً ما ستشعر مع العزلة بأنها إيجابية، ولكنها قد تكون أيضاً محايدة عاطفياً.
وقد أكد الفلاسفة -في كثير من الأحيان- أن العزلة شيءٌ إيجابيٌ باعتبارها مكاناً متميزاً للتفكير، حيث يمكن للمرء أن يقترب بشكل خاص من الحقيقة، حيث يؤكد الفيلسوف الألماني هيدجر على اعتبار العزلة مساحةً مميزةً للتفكير في العديد من النصوص الفلسفية، فيقول: «العزلة هي الطريق إلى معرفة الذات».

العلاقة بين الشخص وذاته
الحاجة إلى أن تكون بمفردك من حين لآخر سمة إنسانية عامة، وربما يكون يوهان جورج زيمرمان أول شخص ابتكر تمييزاً منهجياً بين الشعور بالوحدة والعزلة في كتابه «العزلة»، فالعزلة تخلق الحرية والاستقلال والسلام، وتتسم بطابع جيد وترفع الروح، وهناك قلة قليلة من الناس عاشوا في عزلة تامة عن الآخرين، حيث يعيش معظم النساك في المجتمع وقد انسحبوا من المجتمعات الكبيرة، وبنوا مجتمعات أصغر، وعادةً في أماكن نائية على حافة تلك المجتمعات، كما شدد ديكارت على كيفية سعي الفرد إلى العزلة في البلاد، وبعيداً عن المدينة من أجل تكريس نفسه للتفكير.
وفي كتاب «المجتمع والعزلة»، يحاول كريستيان غارف تقديم عرض متوازن في عمله، حيث يؤكد أن جميع الفلاسفة العظماء والعباقرة الشعراء أحبوا العزلة، ولكن في الوقت نفسه، العزلة قد تشكل خطراً على الأرواح الضعيفة والمتواضعة، لأنها تسبب الحزن، وهنا يكمن الفرق بين العزلة والشعور بالوحدة، في العلاقة بين الشخص وذاته، فإذا نجح الفرد في البقاء مكتفياً ذاتياً نسبياً، لأنه بطبيعة الحال لا يمكن لأحد أن يكون مكتفياً ذاتياً تماماً، واستطاع التواجد مع نفسه دون أن يعتمد على الآخرين طول الوقت، ولكي تكون العزلة إيجابية لابد أن تكون هناك طريقة للعودة إلى الآخرين.

الوحدة ووسائل التواصل الاجتماعي
كتبت شيري توركلي وصفاً جميلاً عن حالنا مع وسائل التواصل الاجتماعي «وحيدين معاً»، فهل تسبب وسائل التواصل الاجتماعي المزيد من الشعور بالوحدة، لأنها تقلل التواصل المباشر بين الناس؟ توقعت دراسة مبكرة للإنترنت، أن الاستخدام الموسع لها سيولد آثاراً ضارة كبيرة وسيخلق المزيد من الشعور بالوحدة، وما يناقض تلك الدراسة شكوى البعض من أننا أصبحنا اجتماعيين للغاية، وأن الوحدة لم تعد متاحة لنا، وأننا مجبورون على أن نعيش حياتنا على اتصال اجتماعي مزمن مع الآخرين، ولهذا لا ينبغي أن نفترض أن وسائل التواصل الاجتماعي تخلق الوحدة.
وهنا لابد أن نتساءل: كيف ندير وحدتنا في الظروف الراهنة؟ الحل في أن نتبع ما كتبه راينر ماريا ريلكه: «أحبب وحدتك وتحمل الآلام التي تسببها في رثاء عابر».
إن عدم وجود حياة داخلية غنية يجعل من الصعب التخلي عن النفس في العزلة، ومن ناحية أخرى تبدو العزلة في حد ذاتها شرطاً أساسياً لوجود حياة داخلية غنية، وما يميز الأشخاص المبدعين، ليس أنهم أكثر انفرادية من الآخرين، بل إنهم قادرون على استخدام العزلة الخاصة بهم، لإنشاء شيء بدلاً من مجرد اليأس والتوقف عن المشاركة والغرق في الوحدة.

* تشكيلية وأكاديمية في جامعة البحرين