إبراهيم الملا (الشارقة) 

دشّنت مؤسسة الشارقة للفنون، أمس الأول، افتتاح مبنى «الطبق الطائر» بعد تجديد مرافقه بالكامل، بإطلاق معرض: «لا مكان أقل من الآن» الذي يضمّ أعمالاً نحتيةً وتركيبيةً ومنصات عرض بصرية، من تنفيذ كل من الفنّانة ليندسي سيرس، والفنّان كيث سارجنت. ويمثّل افتتاح المبنى المطوّر، استعادة مكثفة لذاكرة الشارقة، باعتباره صرحاً تاريخياً يجسّد فلسفة العمارة الحرّة ذات البعد الغرائبي والمستقبلي، حيث شيّد عام 1978، مستوحياً طرازه المعماري من خبر ظهور طبق طائر في سماء مدينة دبي، ووصف وقتها في الصحف بأنه ذو شكل دائريّ بحوافّ مضاءة ومركز مظلم، تعلوه قبّة نافرة نحو الأعلى.
وجسّد مبنى الطبق الطائر في الشارقة تداعيات وأصداء هذا الخبر الغريب، وظل مثالاً مجسّماً للفضول وحسّ الاستكشاف، وارتبط طويلاً مع القيم الفنية والمجتمعية لسكان إمارة الشارقة، وخصوصاً أن موقعه الجغرافي في قلب المناطق الحديثة بالإمارة، والمتصلة بشارع حيوي يؤدي إلى دبي، أضفى على المبنى بعداً بانورامياً يجمع المكان الواقعي بالآخر الافتراضي، كما تعبّر واجهاته الزجاجية وأعمدته الإسمنتية المصممة على حرف V عن العلاقة الجمالية بين الثيمات المتضّادة مثل الإضاءة والعتمة، والصلابة والرهافة، والغموض والشفافية.

تجليّات الماضي والراهن
ويمثّل افتتاح معرض «لا مكان أقلّ من الآن» في قلب هذا المعلم التاريخي، حالة من التمازج التعبيري بين النوستالجيا الثقافية وبين راهنية العمل الفني، وبالتالي خلق انعكاسات وترددات وأواصر ذهنية وبصرية، يستحضر المتلقي من خلالها اللحظة الإبداعية الفارقة عند بعث ملامح الماضي والاحتفاء بها، ضمن نسيج معرفي يربط المكان بالزمان، ويحقّق متعة السفر التخيّلي، وتثبيت الومضة الإشراقية والتجليّات الروحية للذات.
وتشير منحوتات الفنانة ليندسي سيرس في المعرض، إلى قوة العناصر المعمارية الفريدة لمبنى الطبق الطائر، لتروي قصة هبوط سائح فضائي وافتتانه بالعوامل التي تدفع البشر للحركة، وفقاً لنبض وإيقاع حياتهم الأرضية، وتلجأ الفنانة سيرس إلى السيرة الذاتية، من أجل الكشف عن حياة الأفراد، مقابل السرديات التاريخية الكبرى، ويستند عملها هنا على فلسفة هنري بيرغسون حول الذاكرة، و«الحدس كممارسة»، من خلال إعادة التمثيل والاستحضار، الهادفين إلى كشف العلائق النوعية بين الأشياء، بحيث يكون العمل النحتيّ أو التركيبي أشبه بمتواليات سردية تضم صوراً مكثفة للزمن بماضيه وحاضره ومستقبله.

توظيف الطاقة الوجودية
المعرض هو الحدث الفني الثالث للفنانيْـن، اللذين تنصبّ اختياراتهما على الشواهد والبنى المعمارية العتيقة، من أجل استنباط الطاقة الوجودية لها وتوظيفها في أعمال فنية تعتمد على الوسائط المتعددة. وفي عملهما الجديد هذا، يستفيد الفنانان من آراء عالم النفس الشهير كارل غوستاف يونغ حول ظاهرة رؤية الأطباق الطائرة، حيث يعزو الرؤية المستمرة لهذه الأجسام المجهولة إلى مفهومه عن «اللاوعي الجمعي» وفكرة «الهلوسات الجمعية»، على حدّ تعبيره.
ويضمّ المعرض كذلك تنويعات حركية لثيمة «الرقص»، التي يتم توثيقها فيليماً دون تصورات مسبقة، وتستخدم هنا كشكل مفاهيمي غير لغوي، عبر تشكيلات جسدية مفعمة بالحيوية، ومعبّرة أيضاً عن حالات الإنسان الداخلية، سواء كان هذا الرقص قائماً في أحضان الطبيعة، أو في الأسواق التجارية العصرية، لأن الرقص في النهاية يستلهم ديناميكيته من الارتجال المتصل بشكل مبهم، مع مرجعيات فلكلورية أو أصول روحية وشعائرية.
ومن خلال هذا الربط بين الأساليب والتيارات الفنية المختلفة، يطرح معرض «لا مكان أقل من الآن» سؤالاً إشكالياً يتصلّ بالمحتوى الدلالي لمسمّى «الطبق الطائر» وهو: كيف يمكننا التواصل مع الكائن الفضائي عندما يهبط إلى كوكبنا؟ وهل هناك طريقة للحوار مع هذا الكائن تتجاوز اللغة، وتستهدف العثور على فكرة عميقة ودقيقة تسمو على التنميط الثقافي والبيولوجي، وتعيد ترتيب الزمن بشكل غير خطّي، بحيث يصبح الحاضر راسخاً ومستقلّاً عمّا يحدده الماضي، وعمّا يشير له المستقبل؟