رشيد الإدريسي

قبل كتابة أي عمل روائي يحتاج الكاتب إلى فكرة جيدة وقوية يمكن اتخاذها نواة للعمل الروائي، كما يحتاج إلى رسم شخصيات تجسد هذه الفكرة أو الأفكار التي يتم الانطلاق منها. وهو في أغلب الحالات، بالإضافة إلى ذلك أو قبله، يحتاج إلى تشييد حبكة تشد المتلقي وتجعله يعيش الأحداث وكأنه جزء منها. الحديث عن الرواية بهذا الشكل يكشف عن أن مؤلفها يفكر فيها وفي مكوناتها، كما يفكر في متلقيها الذي سيقرأها عكساً كما أنتجها المؤلف طرداً. فإذا كان مؤلفها أنتجها وهو يفكر في القارئ وما قد يصدر عنه من ردود فعل تأويلية، فإن القارئ سيقرأها وهو يستحضر ما كان يعتمل في ذهن المؤلف أثناء كتابته لها، حتى وإن كانت الكثير من المقاربات ترفض أن يتم التوقف عند هذا المستوى الذي يحد من دلالة النص، ويجعلها مطابقة لما يقصده المؤلف.
وبالفعل فإن المؤلف عندما ينتهي من تأليف روايته، لا تنتهي مهمته ولا تتجمد الدلالات التي عمل على «تضمينها» في نصه واسترشد بها أثناء عملية كتابته. ففي الكثير من الحالات يضطر المؤلف أن يتقمص دور القارئ، وأن يشرع في تأويل عمله بالطريقة التي تنفي عنه الكثير من التأويلات المبالغة التي ينسبها إليه القراء، بما فيهم النقاد الذين قد تتحول تأويلاتهم إلى سياج يحكم إغلاق العمل الأدبي، ويربطه بتأويل واحد يؤدي على المدى البعيد إلى قتله، بينما قيمة أي عمل ناجح تكمن في قدرته على تجاوز المكان والزمان الذين أنتج فيهما، ليكون قابلاً للتحيين كلما تمت قراءته وتحليله في سياق مختلف عن سياقه الأول. ولذلك فإن المؤلف نفسه يتعامل مع عمله الإبداعي بوصفه ناقداً، وقد يؤوله في مرحلة زمنية تالية تأويلاً مخالفاً للذي انطلق منه، أو الذي كان يوجهه أثناء عملية الكتابة. وهذا ما يصرح به الكثير من المبدعين العرب والعالميين الذين تدخل رواياتهم في لوائح الكتب الأكثر مبيعاً، وتلزم القراء بالسهر والاختصام بسبب شوارد علاماتها.

إن التأويل هو قدر العمل الأدبي عامة والروائي الذي يهمنا هنا خاصة، فالرواية على عكس القصيدة مثلاً قد تتحول إلى منتج سينمائي يشاهده متلقون من مختلف الشرائح، ويكفي أن نعلم هنا أن تحويل الرواية إلى هذه الصيغة هو في حد ذاته تأويل مضاعف. ومسوغ قولنا إنه تأويل المضاعف هو أن الرواية قبل أن تتحول إلى صور وأصوات، يلزم أن تمر من تأويل أول، وذلك بتحويلها إلى سيناريو يشذب الكثير من عناصرها ويعوضها بعناصر أخرى، ويُغَلّب الحوار على كل مكوناتها التي لا تتوافق مع الصيغة الفيلمية. وهذا السيناريو بدوره يخضع لعملية تحويل على يد المخرج الذي أول ما يفكر فيه قبل أن يبدأ التصوير، هو المكان الذي يضم الشخصيات والأحداث، يضاف إلى ذلك الإضاءة والموسيقى والمؤثرات الصوتية... هذا دون الحديث عن زاوية التقاط المشاهد التي هي في حد ذاتها عبارة عن تأويل. يقول المخرج الفرنسي جون جاك أنو، وهو يعتزم تحويل رواية اسم الوردة للروائي الإيطالي أمبرتو إيكو إلى فيلم سينمائي: «عندما قرأت الرواية لم أتخيل أي ممثل [يمكنه القيام بالدور الرئيسي]، كنت أستحضر في ذهني شخصية رجل متعلم فرنسيسكاني المذهب شديد الاحترام يعود للقرن الرابع عشر، ولذلك فكرت في ممثل يكون في حدود الخمسين من العمر، ويكون غير معروف بشكل مطلق». وقد استقر رأيه في النهاية على إسناد هذا الدور للممثل الشهير شين كونري، لكن هذا الاختيار الذي يعتبر بمثابة تأويل للشخصية المحورية للرواية، سوف يصطدم بتأويل آخر لأحد المشاركين في إنتاج الفيلم، والذي اعتبر آنذاك هذا الممثل شخصاً قديماً منسياً سيؤدي إلى فشل الفيلم، فانسحب من الإنتاج بعد تمسك المخرج باختياره الذي كان، على العكس من ذلك، سبباً في نجاح الفيلم بشكل باهر. وحتى عندما تم تحويل هذه الرواية مؤخراً (2019) إلى مسلسل تلفزي من ثماني حلقات، فقد كان التأويل حاضراً بقوة، على اعتبار أن رواية «اسم الوردة» ليست رواية بوليسية ذات حبكة بسيطة، بل رواية «تاريخية» وفلسفية ودينية وهي أمثولة ما بعد حداثية بكل ما تعنيه الكلمة من معنى. وهذا ما حاول مخرج السلسلة جياكومو باتياطو نقله إلى الشاشة، من خلال العمل على ما سماه بتذويب الأفكار التي بلورتها رواية اسم الوردة في خصائص كل شخصية من شخوص الفيلم، وقد أدى هذا التأويل الذي اعتمده المخرج إلى الإحساس بالإجهاد أثناء القيام بعملية التذويب هاته، لدرجة جعلته يفكر في إيقاف المشروع بشكل كامل.

  • مشهد من فيلم اسم الوردة
    مشهد من فيلم اسم الوردة

إلا أن السلسلة لكونها تتيح حيزاً زمنياً واسعاً، بالمقارنة مع الفيلم الذي لا يستغرق سوى ساعتين ونيف، فإن مخرجها استطاع أن يستغل ذلك، وأن يتيح الفرصة لكل الشخصيات، بما فيها تلك المختَلَقَة من طرفه، لتعبر عن ذاتها. وقد أتاح هذا الحيز كذلك للشخصية المحورية «كيوم دو باسكرفيل» أن يطرح الكثير من فرضياته الاستكشافية، وأن يحاول بواسطتها إلقاء القبض على من يقف وراء جرائم القتل المتسلسلة في دير الرهبان الذي يقيم به مع تلميذه «أدسو دو ميلك». ويمكننا القول إن الحيز الزمني كلما طال، أمكن للمنتج السمعي البصري نقل أكبر قدر ممكن من معطيات العمل الروائي، وإدراج عناصر تأويلية أكثر.
وإذا استحضرنا أن كاتب هذه الرواية أمبرتو إيكو هو ناقد سيميائي قبل أن يكون روائياً، وإذا استحضرنا أن السيميائيات من مهامها التأويل واستخراج ما بين السطور، وأن بطل رواية «اسم الوردة» يقوم بالتحقيق في سلسلة الجرائم على طريقة المحقق شيرلوك هولمز أي أنه يقوم بتأويل الأحداث، فمعنى ذلك أن مجموع القراء والمشاهدين سوف يجدون أنفسهم عند قراءة الرواية أو مشاهدة الفيلم السينيمائي أو السلسلة التلفزية في وضع من يتلقى التأويلات المحتملة ويقارنها بتأويلاته الخاصة وجولاته الاستدلالية، منتظراً تتمة الأحداث ليقف على التأويل النهائي الذي يحظى بالمصداقية. فالتأويل إن كان كما قلنا هو قدر كل عمل أدبي يُنقل من الورق إلى الشاشة، إلا أن نسبة التأويل ليست ثابتة، بل يؤثر فيها طبيعة الموضوع وتقنيات الكتابة، بالإضافة إلى الخلفيات النظرية التي تتحكم في الروائي، والتي كانت تلعب دوراً حاسماً في طريقة كتابة أمبرتو إيكو لمجموع رواياته، التي يؤطرها شعاره البليغ «ما لا يمكن تنظيره ينبغي سرده».