د. سعيد توفيق 

البحث عن السعادة هو الانشغال الأساسي للبشر، فكل سعي وكل جهد بشري يكون من أجل تحقيق السعادة باعتبارها غاية الحياة. كل فرد سوف يوافق على هذا القول باعتباره حقيقة لا مراء فيها، ومع ذلك فلن يتفق كل واحد من هؤلاء الأفراد على معنى السعادة التي يسعون إليها.. فبعض الناس سوف يجد سعادته في اللذة الحسية، وبعض آخر سيجدها في اللذة أو المتعة العقلية، بينما يجد أكثر الناس السعادة في بلوغ الرفاهة أو الثروة أو الشهرة أو المجد، وربما يرى القليلون سعادتهم في نعيم الآخرة، وليس في الحياة الدنيا، إلخ.
وقد يجد المرء سعادته في تحقيق أكثر من غاية واحدة من هذه الغايات التي قد تكون متضاربة فيما بينها. وهذا يعني أنه ليس هناك معنى واحد للسعادة يتفق عليه الناس، وإن اتفقوا على أن السعادة هي الغاية من حياتهم، وبذلك فإن سعادة كل فرد تتوقف على تحقيق ما يريده، أو على ما يتصور أنه يحقق سعادته.
ولكن الشواهد من التجربة والخبرة المباشرة في الحياة، تبين لنا ألا أحد من هذه الغايات التي يسعى إليها الأفراد يمكن أن تكفل لهم السعادة دائماً: فاللذات عابرة لا تدوم، والاستغراق فيها يؤدي إلى الضجر أو السأم، حتى إنها تفقد متعتها مثلما تفقد لذة الطعام متعتها بفعل التخمة.
ولم تكفل الثروة أو الشهرة يوماً سعادة يقينية دائماً، فكم من الأفراد الذين تمتعوا بالثروة أو الشهرة قد عانوا من التعاسة في حياتهم لأسباب شخصية مختلفة لا حصر لها، تختلف من حالة إلى أخرى. وقد رأى بعض الفلاسفة السعادة في تحقيق رفاهة المجتمع، وهذا ما ذهب إليه أصحاب مذهب المنفعة العامة من أمثال جيرمي بنتام وجون ستيوارت مِل، فلقد ذهب بنتام إلى القول إن «سعادة الأفراد- التي تتألف منها سعادة المجموع- هي الغاية الوحيدة التي ينبغي أن يضعها المشرِّع في الاعتبار». ولكن هذا التوجه في فهم السعادة لا يصمد أمام النقد: فنحن نلاحظ- من ناحية- أنه ليست هناك علاقة ضرورية بين سعادة أو رفاهة المجموع وبين سعادة الأفراد.
حقًّا إننا لا يمكن أن نساوي بين حال الأفراد الذين يعيشون في مجتمعات مرفهة وبين حال الأفراد الذين يعيشون في مجتمعات يسودها الفقر والمرض وبؤس العيش، ولكن هذا لا يفسر لنا كثرة حالات الانتحار في بعض البلدان المرفهة، ولا يفسر لنا السبب في أن كثيراً ممن يعانون الفقر وبؤس الحياة يتقبلون حالهم في نوع من الرضا. ومن ناحية أخرى، فإن تحقيق سعادة الأفراد لا ينبغي أن تكون هي الغاية التي يسعى إليها المشرِّع في أي مجتمع يريد أن يؤسس نفسه على أسس ثابتة، لأن غاية المشرع أو النظام الاجتماعي ينبغي أن تتمثل في تحقيق العدالة، لا السعادة التي هي مفهوم نسبي يتعلق بأحوال النفس الإنسانية.
أما الذين يرون السعادة في الآخرة، فربما يكونون محقين في تصورهم الذي يستبعد أي معنى يقيني للسعادة في الحياة، ولكنهم لا يقدمون شيئاً بتصورهم هذا إلى الحياة ذاتها، ومن ثم لا يساهمون في دعم أية قيمة في هذه الحياة التي فُرِض على الإنسان أن يحياها، ومن ثم فإن تصورهم للسعادة يجعل موقفهم موقفاً انسحابياً هروبياً من الحياة، لا يضفي عليها أي قيمة ولا يسهم في تحسين جودتها، ويجعلها في النهاية شيئاً عابراً مؤقتاً.
وهكذا، فإننا نجد أنفسنا في حيرة إزاء فهم معنى السعادة.
والسبب في هذا يرجع إلى أن السعادة ليست شيئاً واقعياً محدداً يمكن بلوغه أو امتلاكه (كالثروة والصحة والشهرة، إلخ)، وإنما هي حالة نفسية تنشأ عن رؤيتنا لحقيقة الحياة والوجود بوجه عام. فنحن لم نوجد في هذه الحياة من أجل أن نكون سعداء، وإنما نحن وجدنا أنفسنا فيها. حقاً، إن هذه الحياة التي وُهِبت لنا- أو التي أُلقينا فيها- تنطوي على كثير من المتع، ولكنها تنطوي أيضاً على كثير من الشقاء. والواقع أن الشقاء بمعناه الواسع- وليس السعادة- هو ما يشكل الأصل في هذا الوجود، حتى مع وجود اللذات والمتع التي تشكل الجانب العابر منه وغير الحقيقي: فالوجود الإنساني الحقيقي هو الوجود المهموم بتساؤلات الوجود كما يقول هيدجر، وهو وجود يتصف بالقلق بسبب وعيه بزمانيته، ومن ثم بطبيعته المتناهية، وبالعقبات التي تعترض دائماً حريته كما يقول سارتر، وبالتوتر الدائم الذي عبر عنه نيتشه بقوله: الحياة هي أن تعيش في خطر. وحتى الرؤية الدينية في عمقها مؤسسة على أن الشقاء هو أصل الوجود وضريبته المدفوعة مسبقاً، ولهذا يُقسم المولى عز وجل: «لقد خلقنا الإنسان في كَبَد». ومن هنا رأى شوبنهاور أن الشقاء والألم هما الأصل في الحياة، وأن السعادة حالة سلبية، لأنها مجرد التحرر من الألم. والأصل في الألم والشقاء هو الرغبات التي لا تنتهي ولا تشبع أبداً، وما إن يتم إشباع رغبة ما، حتى تبقى هناك عشر رغبات أُخر في حاجة إلى الإشباع. وإشباع رغبة ما يشبه إلقاء لقمة إلى جوعان، تبقي على جوعه اليوم كيما تُرجئ شقاءه إلى الغد. ولذلك فإن السعادة تظل في النهاية وهماً، فهي مجرد حالة وقتية عابرة، وهذا يعني أن السعادة الحقيقية هي حالة لا تكمن في الرغبة وفي إشباعها، وإنما في القدرة على التحرر منها. ولكن إذا كان التحرر من الرغبات يمكن أن يجلب حالة السكينة والطمأنينة التي نجدها لدى الزهاد، فإننا لا يمكن أن نطالب عموم البشر بأن يكونوا زهاداً، كيما يتخلصوا من حالة الهم والقلق والتوتر المتأصلة في طبيعة الوجود الإنساني نفسه.