محمد نور الدين أفاية

ثمة إجماع عالمي على أن فيروس كورونا يشكل حدثاً غير مسبوق بهَوْله ومخاطره، حيث قام بزعزعة كلية للاعتيادي واليومي، وبتغيير للعلاقات بالذات، وبالزمن، وبالمكان، وبالآخر، وبالأوطان. 
ومعلوم أن المؤرخين يميزون بين ما هو حَدَثي، عابر أو ممتد كثيراً أو قليلاً في الزمن، وبين التاريخ البِنْيوي الذي تترتب عنه تغيرات كبرى في الوجود والسياسة والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية والأمن. ويخلخل الحدث البنيوي، كُلاً أو جزءاً، وضعاً قائماً ويفرز عناصر لا أحد يتوقعها، قد تكون لها انعكاسات في صالح الإنسان، كما قد تكون وَبَالاً عليه. 

واتجاه ما أحدثته هذه الجائحة كان من المطلوب، مذ بداياتها، الالتزام بمنسوب كبير من الحذر والتواضع الفكري، لأنها بيَّنت بشكل فجائعي أننا كنا نعيش في عالم من دون بوصلة. لذلك كان من الصعب اقتراح عناصر تفكير في معمعة حدث مُزلزل لم يشبهه أي حدث في عصرنا على كل مستويات وزوايا الإدراك والنظر. ربما كان الخطر وارداً ومُنتظراً، لكن ما لم يكن متوقعاً هو شراسة هذا الوباء وطرق انتشاره وتداعياته على العالم، وما نجم عنه من ارتباكات في السياسة، ومن إغلاق الأجواء والموانئ، والعزل والحَجر، ومنع التجوال، وتوقيف الاقتصاد وحركة الإنتاج، ومن هلع وخوف من الموت. كما لم يكن منتظراً منه أن يُحيَّر الأقوياء، ويزعزع القناعات، سواء الفكرية، والسياسية، والاقتصادية، والاجتماعية وغيرها. أدى ذلك إلى اشتعال «أنانيات» ضيقة، وارتج ما كان يعتبره البعض عولمة سعيدة. 
إننا نشهد على مرحلة مفصلية في التاريخ، ونعاين كيف تنفضح الشعارات والسياسات أمام هذا الكائن السري. ويبدو أننا مقبلون على أيام صعبة سنحتاج فيها إلى خيال سياسي مغاير وإلى عزيمة سياسية في اتخاذ القرار غير مألوفة تماماً عما اعتدنا عليه طيلة العقود الأخيرة، والاشتغال على جبهات التفكير في اقتراح آليات مبتكرة في النظر والاجتهاد لفهم ما جرى لتقوية قيم التضامن، وتعبئة كل فضائل العطاء والتقاسم للخروج التدريجي من التدهور الكبير الذي ستتعرض له بنيات الاقتصاد والسياسة والتجارة والثقافة والخدمات والمهن.
لا شك في أن هناك مخاطر عديدة تهدد الإنسانية، منها الاحتباس الحراري والحرب النووية، لكن الظاهر أن هذه الجائحة جعلت الناس يشعرون وكأنهم يعيشون انتقالاً أنثروبولوجياً لم يشهدوه من قبل، كما وجدوا أنفسهم مشدودين إلى مواقف متنوعة من القلق والحيرة. واعتباراً لذلك، يبدو أننا مطالبون بصياغة أسئلة جديدة يفرضها هذا الانتقال الكبير على الفكر والوجود والعلاقات الاجتماعية وأدوار الدولة الجديدة والمتوقعة، والرابط الاجتماعي ورهانات التكنولوجيات الرقمية على جميع الصعد، ومنها الحرية. كما سمحت هذه الجائحة بإعادة طرح أسئلة العقل العلمي، والحاجة الحيوية إلى استعادة الوعي العام بالقيمة العظيمة للطب وللصحة والأمن الإنساني. 
كثيرة هي المعطيات الجديدة التي أنتجتها كورونا، بحكم أنها أدخلت البشرية في لحظة أنثروبولوجية جديدة تماماً، ومنها الأسئلة التي طرحت على العقل بخصوص الوجود، والذات، والآخر، والحياة، ونمط العيش، والموت، والزمن، والحرية، والحدود، وغيرها، كما أملت على العالم عودة قوية للدولة الحامية والراعية، وأحياناً المتشددة في فرض قوانين الطوارئ، وظهر أن الدولة، حتى في أكثر البلدان ليبرالية وديمقراطية، استرجعت أدوارها أو أصبحت هي «العقل» الذي يؤطر حركة الناس وسكناتهم، بل وهي المنقذ من انهيار الاقتصاد وحماية الصحة العامة ودعم الفئات في وضعية الهشاشة، وسمحت هذه الجائحة بانفجار لا مثيل له في استخدام التكنولوجيات الرقمية، في الشغل والدراسة والتواصل الإنساني، والحفاظ على الروابط الاجتماعية في زمن الحجر الصحي، غير أن الاستعمال الواسع لهذه التكنولوجيات بهذه الكثافة، أطلق مناقشات حامية حول الحرية. من جهة أخرى، عرَّض هذا الوباء اقتصادات البلدان لأكبر الاهتزازات والاختلالات بسبب توقيف حركة المبادلات والنقل والسياحة وإغلاق الحدود، مما دفع أغلب الباحثين إلى معاينة ما أسموه انهيار «الوعد النيوليبرالي» الذي بشر بالازدهار العام، والزيادة في معدل الحياة، وتحويل العالم إلى قرية كونية واحدة، فالفيروس التاجي فرض على الإنسانية حَجْراً غير مسبوق وانكفاء في المكان ولد توترات نفسية وظواهر مَرَضية في حاجة إلى مساءلة وبحث، فضلاً عن أنه كشف عن أنماط علائقية جديدة بين أفراد العائلة وبين الأزواج، وما نجم عن ذلك من تداعيات على حميمية الناس، ومن تفاوتات اجتماعية وشروخ كبيرة، تثبت كل المؤشرات أنها ستزداد اتساعاً وتفاقماً، إضافة إلى أن هذا الفيروس خلق اضطرابات لا حصر لها مسَّت اقتصاديات الرياضة والترفيه والسياحة والنقل، وغيرها من المجالات الأخرى التي يصعب تعدادها.
ولعل أكثر القطاعات تضرراً تجلت في عالم الإبداع والثقافة، إذ بقدر ما عرف توقفاً شبه كلي من حيث أطر التنظيم المعهودة في المسارح والمهرجانات وقاعات السينما وكل فضاءات العرض الجماعية، بقدر ما فرضت شروط الحجر أشكالاً إبداعية جديدة عبرت عن قدرات الإنسان على تخطي المنع وتوصيل مفردات الفن والخيال. وإزاء ما جرى طيلة سنة 2020 من مظاهر قلق، فإن جائحة كورونا أثبتت، مرة أخرى، قدرات العقل العلمي على اجتراح طرق خلاص غير متوقعة، حيث حقق نتائج مبهرة لإيجاد لقاح في زمن قياسي. لا شك أن التقاء الإرادة السياسية، وسخاء التمويلات، ودهاء أصحاب الصناعة الصيدلية، وفَّر للإبداع العلمي فرصاً استثنائية لرفع تحدي إيجاد لقاح بهذه السرعة المذهلة، غير أن الأمر أعمق من ذلك؛ لأن ما حصل من اكتشافات برهنت، مرة أخرى، على أن المعرفة العلمية هي الطريق الناجع لخدمة الإنسانية.