عبد الوهاب العريض

لقد أسهم شايع الوقيان، المفكر والباحث السعودي، مع ثلة من الشباب المهتمين بالجانب الفلسفي عام 2008 في تأسيس حلقة الرياض الفلسفية، حينما كانت «الصحوة» لاتزال تمارس دورها المحافظ وسلطتها الدينية، وكانت حينها الكتب الفلسفية من المحظورات في السعودية، والحديث عن الفلسفة يعتبر نوعاً من الهرطقة! وقد طالب مؤخراً علماء السلفية المحدثين بأن يقوموا بمراجعة بعض الفتاوى، وإجراء فحص نقدي شامل. 
وشايع الوقيان كاتب وباحث يحضّر أطروحة الدكتوراه في التربية، ويستثير الآخرين بما يطرحه أحياناً من أفكار في وسائل التواصل الاجتماعي والصحافة المحلية والعربية، وله العديد من المقالات في العمق الفلسفي، كما قدم أيضاً للمكتبة العربية ثلاثة كتب فلسفية (الفلسفة بين الفن والأيديولوجيا 2011، وقراءات في الخطاب الفلسفي 2011، والوجود والوعي - استئناف الفينومينولوجيا 2020). 
وللوقوف على رؤية الوقيان للواقع الحالي في السعودية، وكيف تستطيع الفلسفة المساهمة في حل بعض المعضلات الإنسانية داخل المجتمع في حال تم إدراجها ضمن المناهج التعليمية، والتعامل معها من منظور إيجابي من قبل كافة طوائف المجتمع السعودي، كان لـ«الاتحاد الثقافي» معه هذا الحوار: 

* ما بين مرحلة «الصحوة»، ومرحلة ما بعد الصحوة، كيف تجد وضع الفلسفة في السعودية؟
** الفكر الفلسفي موجود في المشهد الثقافي السعودي منذ بداياته الحديثة، ولكنه كان مبثوثاً في حقول معرفية مغايرة مثل النقد الأدبي وعلم اللغة والعلوم الاجتماعية والنفسية. وبدأ يطل برأسه مع فكر الحداثة التي قادها المنظرون الأدبيون مثل عبدالله الغذامي وعابد خزندار وسعد البازعي وميجان الرويلي وغيرهم. ومن هنا بدأت الصحوة تدخل إلى المشهد الثقافي ولاسيما الأدبي. وقادت معركة ضارية، ولم تكن معركة فكرية بل أيديولوجية. 
ومع مطلع القرن الحادي والعشرين بدأ فكر جديد يحل محل الحداثة الأدبية وهو الفكر التنويري أو الليبرالي. واستمرت معركته مع «الصحوة» حتى انتصر الأول بشكل واضح. والفكر الليبرالي يغلب عليه الطابع الفلسفي وليس الأدبي. وكان هو البوابة الأوسع التي ولج منها الشبان إلى حقل الفلسفة. 
ومن هنا يمكن القول، إن الفلسفة كانت -إبان تعاظم تخبّطات «الصحوة» الراديكالية- تسير ببطء وبخوف. ولكن الثورة المعلوماتية والتقنية وتنوع مصادر المعرفة ساهمت في ظهور الفلسفة على الساحة بشكل كبير، وخاصة مع مطلع هذا القرن. 
ويمكن تحقيب الفكر السعودي حضارياً كما يلي:
-1 فكر النهضة مع محمد حسن عواد وعبدالله القصيمي وعبدالله عبدالجبار وغيرهم، وهو يواكب زمنياً عصر التأسيس (تأسيس المملكة أو الدولة الثالثة).
-2 وفكر الحداثة الذي أشرنا إليه، ويواكب عصر التنمية (ويسمى شعبياً بعصر الطفرة).
-3 وفكر التنوير أو الليبرالية، ويواكب عصر العولمة والتقنية.
-4 أما فكر ما بعد الصحوة فلم تتضح ملامحه بعدُ ويغلب عليه الطابع الفلسفي، وهو يواكب عصر الرؤية (رؤية 2030). ولا نجد حرجاً في تسميته بالفكر الفلسفي، بشرط أن نعتمد التعريف الواسع للفلسفة الذي يشمل التيارات الفكرية ذات الطابع النقدي والشكي والتحليلي كالفكر النسوي والفكر البيئي والفكر القيمي، وهي أفكار بدأت تعلن عن نفسها مؤخراً في المشهد الثقافي السعودي، ولا يعوزها سوى التأسيس العلمي والمنهجي الصحيح. أما الفكر الفلسفي بمعناه الفني المحض فقد صار له حضور قوي منذ عقدين، ولا يزال، وكانت إحدى ثماره إنشاء جمعية الفلسفة، وإقرار تدريس مادة الفلسفة في التعليم العام، وظهور مؤلفات وأبحاث فلسفية تعبر عنه.

* في عام 2008 أسستم أول نشاط فلسفي في السعودية ضمن فعاليات النادي الأدبي في الرياض.. حلقة الرياض الفلسفية. حدثنا عنها وعن أنشطتها؟
** حلقة الرياض الفلسفية كانت بالفعل أول نشاط فلسفي رسمي في السعودية، وكانت نقطة البدء لظهور أنشطة أخرى مشابهة في بعض مدن المملكة الكبرى. وقد أنشأها مجموعة من المثقفين المعنيين بالفلسفة من أجل نشر الوعي الفلسفي والفكر النقدي في المجتمع، ومن أجل تقديم تصور صحيح وواضح للفلسفة. وكان أيضاً من أهم غاياتها ممارسة التفلسف وليس فقط عرض الآراء والمذاهب. وفي غضون الاثنتي عشرة سنة الماضية أقيمت محاضرات كثيرة وورش عمل وندوات علمية (سيمنارات) متنوعة، وصارت الحلقة ملتقى لكل مهتم حتى ولو لم يكن عضواً في الحلقة. وظهر كتابان ضمّا بعض الأوراق المهمة في الفكر الفلسفي. فحلقة الرياض كانت النواة الأولى التي نمت حتى أصبحت جمعية فلسفية. ولا تزال تمارس أعمالها إلى هذا اليوم.

لدينا فلاسفة وليس لدينا فلسفة.. هل لدينا في السعودية فلسفة؟
ليس لدينا فلسفة، إذا كان المراد وجود طابع فلسفي عام ومميز، ولكنْ لدينا فلاسفة وطلاب فلسفة ومهتمون. وأعتقد أننا نسير في الطريق الصحيح حتى الآن، ولا يبعد أن تنشأ مناهج فلسفية وتوجهات متنوعة إذا استمر النضج بهذه الوتيرة.
ويمكن القول عموماً، إن هناك أهدافاً مشتركة بين المهتمين بالفلسفة، كنشر قيمة الوعي النقدي والتحليلي وقيمة حرية الفكر، وتشجيع النشء على التفلسف، ونشر تصورات صحيحة عن الفلسفة والمنطق بين أفراد المجتمع.

* في الآونة الأخيرة، تحدثت وزارة التعليم عن طرح منهج الفلسفة في المدارس الحكومية؟ كيف ترى ذلك؟ وما هي وجهة نظرك حول التعاطي مع الفلسفة في المراحل التعليمية؟
** خبر تدريس الفلسفة في التعليم العام كان مبهجاً، وأعتقد أنه سيثري النظام التعليمي ويعمّق رؤى وخبرات الطلاب. ولكن من المهم أن يتم التعامل مع مقرر الفلسفة بجدية وليس كمادة كمالية أو ثانوية.
لكنّ من الضروري إعداد معلمين أكفاء لتدريس الفلسفة. فما ظلت الفلسفة غائبة عن التعليم العالي، وما دامت أقسام الفلسفة غير موجودة في الكليات، فكيف يتم إعداد وتهيئة معلمين أكفاء؟ ومن هنا فإني أعتقد، وربما أكون متشائماً، أن التجارب الأولى قد تكون محدودة وغير قادرة على تحقيق الأهداف المنوطة بمقرر الفلسفة. ولكن الأمل يظل قائماً بعدئذ عندما يصبح هناك بالفعل معلمون مدربون ومؤهلون لتدريس الفلسفة، وعندما يتم افتتاح أقسام فلسفة في الكليات.

* وماذا بشأن معارضي الفلسفة في المملكة، أو في التعليم بشكل عام؟... هل لا زال لهم وجود؟
** المعارضون يمثلهم فريق المحافظين عموماً. وهؤلاء كانوا يقفون ضد أي تجديد في نسق التعليم. ووقفوا سابقاً ضد تدريس مواد صارت الآن من البديهيات كالجغرافيا والإنجليزية والعلوم الطبيعية. وكانوا هم المسؤولون عن غياب الفلسفة والمنطق. ولكن مؤخراً لم يعد لهم صوت ولم تعد لهم سلطة على التعليم، إلا ما ندر. وهذه فرصة مواتية للتعويض عن عقود طويلة من غياب العلوم الفلسفية والعقلية.

«الرؤية» لا تقتصر على الاقتصاد والترفيه
* من خلال «رؤية المملكة 2030» والتغير الذي لامس بشكل مباشر حياة المواطن من خلال البرامج التي وجدت، كيف ترون مستقبل النشاط الثقافي في المملكة؟
** مشروع «الرؤية» كما هو معلن لا يقتصر على الجوانب الاقتصادية والترفيهية والاجتماعية والسياسية، بل يتعداه إلى ما يتعلق بالفكر والبنية الفوقية، وأقصد التعليم والثقافة والإعلام والفنون الراقية كالموسيقى والتصوير والرسم والسينما والنحت وغير ذلك. وما يميز هذا المشروع أنه يستعمل الاقتصاد لرفع مستوى الاقتصاد، والتعليم لرفع مستوى التعليم، وهكذا. وبالتالي فالنشاط الثقافي مطلوب منه أن يساهم في مشروع الرؤية لكي يحقق ما أنيط به، أي رفع مستوى الثقافة. ويكمن تميز هذا المشروع في تكامليته. أو لنقل بعبارة جدلية: نقاط ضعفه هي نقاط قوته، فالمشروع التكاملي قد يصاب بالفشل إذا تخلّف فيه عنصر، ولكن، وهنا مكمن القوة، إذا نجح المشروع فإن نجاحه عميمٌ وشامل لكل الجوانب. وهذا ما يجعل دور كل عنصر حيوياً ومهماً. وأعتقد أن وزارة الثقافة تضع هذا الهاجس في اعتبارها، وجهودها ملموسة وواضحة، بل أكاد أزعم أنها من أنشط الجهات في تحقيق «رؤية 2030».