عماد فؤاد

ذات مرّة، قال الروائي الإنجليزي ذو الأصول اليابانية كازو إيشيجورو (66 عاماً) في مقابلة بعد فوزه بجائزة نوبل للآداب عام 2017، إنه يحدّد الأماكن التي سيجعلها أمكنة لرواياته في اللحظة الأخيرة من عملية الكتابة. فهو يقضي وقتاً طويلاً في طرح الموضوعات والأسئلة التي يريد استكشافها والتحقّق منها، وبعدها فقط، يبدأ في التفكير في الفضاء المكاني الذي ستدور فيه أحداث روايته، حيث يمكن استكشاف هذه الأسئلة بشكل جغرافي أفضل.
والمفارقة في أعمال إيشيجورو الأخيرة، هي أنّها، حتى وإن اختلفت أماكن أحداثها، تنحاز إلى الأفكار الفلسفية المعنية بالأسئلة الخالدة التي يواجهها الإنسان المعاصر، في اشتباكه اليومي مع الآلة والتكنولوجيا الحديثة. فروايته «لا تتركني وحيداً» 2005، تدور أحداثها حول الصداقة بين ثلاثة مستنسخات آلية، صُنّعت بهدف التبرع بأعضائها لمن يحتاجها من البشر. فيما تدور أحداث روايته «المارد المدفون» ‏The Buried Giant ‬2015، ‬في ‬عالم ‬خيالي، حيث ‬يخيّم ‬ضباب ‬كثيف ‬يحجب ‬الذكريات ‬عن ‬أصحابها.
ويبدو أن رواية إيشيجورو الجديدة «كلارا والشمس» ‏Klara and the Sun، ‬وهي الأولى ‬التي ‬تُنشر ‬له ‬منذ ‬فوزه ‬بنوبل، ‬تعود ‬بشكل ‬أو ‬بآخر ‬إلى ‬عالم ‬روايته ‬السابقة «‬لا ‬تتركني ‬وحيداً»‬، ‬فنحن نستشرف فيها ‬المستقبل ‬القريب، ‬على ‬الرغم ‬من ‬أنه ‬ليس ‬من ‬الواضح ‬تماماً ‬متى ‬بالضبط ‬تقع ‬أحداثها، و‬لكننا ‬نفهم ‬أننا ‬في ‬الولايات ‬المتحدة ‬الأميركية، ‬وفي ‬زمن ‬مستقبلي، ‬يتم ‬التلاعب ‬فيه ‬جينيّاً ‬بأطفال ‬الأثرياء ‬لـ«‬يُرفعوا»‬، ‬وهي ‬المفردة ‬التي ‬يستخدمها ‬إيشيجورو ‬في ‬إشارته ‬إلى ‬الطريقة ‬التي ‬يتم ‬من ‬خلالها ‬تحسين ‬إمكانيات ‬الأطفال ‬العقلية ‬والجسمانية، ‬ما ‬يؤهلهم ‬لاحقاً ‬للالتحاق ‬بأفضل ‬المدارس ‬ونيلهم ‬أحسن ‬الفرص ‬في ‬مجال ‬العمل. ‬ولا ‬ينسى ‬إيشيجورو ‬أن ‬يلفت ‬نظرنا ‬إلى ‬أن ‬هذا ‬الزمن ‬يشهد ‬أيضاً ‬الكثير ‬من ‬المشكلات، ‬حيث ‬لم ‬يعد ‬للحراك ‬الاجتماعي ‬‬أي ‬معنى، ‬وحيث ‬الناس ‬يتغلّبون ‬على ‬عزلتهم ‬ووحدتهم ‬باتخاذهم ‬روبوتات ‬كأصدقاء ‬اصطناعيين، ‬أو ‬ما ‬يعرف ‬اختصاراً ‬بـ ‬KVs.

عائلة محطّمة
ومنذ سطور الرواية الأولى، يتّضح لنا أن «كلارا والشمس» مكتوبة بالكامل من منظور أحد هذه الروبوتات المخلّقة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي المعزز بقابلية التعلّم، والمبرمجة لتكون رفيقة للأطفال، فالراوية هي كلارا نفسها، الروبوت ذو القدرات الفائقة على الملاحظة، والتي نراها معروضة في المتجر في انتظار من يشتريها لتتمكن من بدء حياتها في الخدمة، وبسبب من حماسها هذا، تبدأ في التنافس على جذب انتباه العملاء، في بداية سينمائية طفولية، تذكّرنا بأفلام بيكسر الخيالية للأطفال.
ويُظهر إيشيجورو قدراته الروائية السلسة، بادئاً روايته من نافذة المتجر، حيث تنظر كلارا إلى الخارج عبر زجاج نافذة العرض، فترى رجلاً عجوزاً في معطف يقيه المطر، يقف على الجانب الآخر من الشارع وهو يلوّح منادياً على شخص ما، يبدو أنها امرأة من معارفه القدامى، وتقف المرأة فجأة بلا حراك على الرصيف حين تسمع من يناديها، وبعد لحظة من التردّد، تعبر المرأة الشارع، ببطء في البداية، ثم بشكل أسرع فأسرع، ويعانق الرجل المرأة في تأثر واضح، فيما ترقب كلارا المشهد باندهاش من خلف زجاج عرض المتجر دون أن تفهم شيئاً. ولم تتمكّن كلارا حينها من تحديد ما إذا كان لقاء الناس بعضهم بعضاً يجعلهم سعداء أو حزانى. فهي لا يخطر ببالها أن تلك المشاعر يمكن أن تتآلف، وهنا نكتشف أن كلارا لا تمتلك هذا التقسيم الطبقي للمشاعر الذي لدينا نحن البشر، وبهذه الطريقة، يطرح إيشيجورو سؤالاً في مرحلة مبكّرة من الرواية، دون أن يكلّ من الرجوع إليه: ماذا يعني أن تكون إنساناً؟

رحلة كلارا
يتمّ اختيار كلارا في المتجر من قبل جوسي، الفتاة المريضة والمهدّدة بالموت في أية لحظة، وتجد كلارا نفسها وقد صارت تحيا وسط عائلة مفكّكة، فشقيقة جوسي ماتت قبل فترة من الزمن، وبالتالي فإن مهمّة كلارا الأهم هي ألا تشعر جوسي بالوحدة في فراش مرضها.
كما نكتشف أيضاً أن لدى والدة جوسي أجندة مختلفة تماماً، فالأم، التي فقدت إحدى طفلتيها للتو، كانت تتوقع موت جوسي هي الأخرى، ولذا تبدأ في تهيئة كلارا لتكون بديلة عن جوسي في حال موتها، وتعليمها كيف تفعل كل شيء كما تفعله الابنة المريضة، ولذلك عند شراء كلارا من المتجر، حرصت الأم على أن تتأكد من أن كلارا قادرة على أن تقلد حركات ابنتها: «هل يمكنك تقليد مشي جوسي من فضلك؟ هل تفعلين ذلك من أجلي؟ الآن؟ الطريقة التي تمشي بها ابنتي»؟

زمن غامض
في «كلارا والشمس»، يعيد إيشيجورو طرح أسئلته الفلسفية القديمة ذاتها، ولكن في ثوب أكثر عصرية، وفي زمن مستقبلي غامض، ليوقفنا أمام السؤال الأكثر إيلاماً: إلى أي مدى سيكون إنسان المستقبل منعزلاً ووحيداً، حتى يبدأ في اتخاذ الروبوتات كأصدقاء له؟ هنا يمكننا الثناء على اختيار إيشيجورو لأن تكون راوية القصة هي كلارا نفسها، فهو من خلال نظرتها غير المتفهّمة للمشاعر البشرية، يبدأ في جعلنا نتشكّك في تعريفاتنا السابقة للعلائق الإنسانية ومفهومنا عن الحب والمشاعر، تلك المشاعر التي تدور داخلنا لإرضاء أنفسنا أكثر من أن تكون خاصة بالطرف الآخر. وفي هذا الصدد، يعد اختياراً ذكياً آخر من الكاتب الإنجليزي، حين جعل من المستقبل القريب زمناً لروايته الجديدة، حيث عالم تكنولوجي متقدّم، يمكن التلاعب فيه بكل شيء جينياً ووراثياً، محذّراً كذلك من الوقوع تحت سيطرة كائنات الذكاء الاصطناعي، تلك التي ستسلب ما تبقى فينا من «إنسانية».