أبوظبي (الاتحاد)

نعيش هذه الأيام مشاعر وجدانية غامرة وعامرة مع موسم الحج وعيد الأضحى المبارك، ما يدعونا لاستعادة الرحلة التاريخية التي قام بها المصور الفرنسي جول جيوفيه كورتيلمون (1863 – 1931) إلى مكة المكرّمة عام 1894، لأداء فريضة الحج، بعد أن اعتنق الإسلام، كما يتبيّن من النّص الجميل الذي دوّن فيه وقائع وأسرار رحلته ونشره عام 1896، بعنوان «رحلتي إلى مكّة في عام 1894»، وصدر في ترجمة عربية عام 2013 عن «دار الكتب الوطنية» في

  • جول  جيوفيه كورتيلمون
    جول جيوفيه كورتيلمون

«هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة» آنذاك.
تشير عديد الدراسات في هذا السياق أن كورتيلمون كان مقيماً في الجزائر أواخر القرن 19، وكان واحداً من الفرنسيين الذين هاموا بالمشرق وأحبوا حياته الرومانسية العابقة بصدق المشاعر وأصالة الأخلاق والقيم الإنسانية الرفيعة، أما رحلته إلى مكة المكرّمة، فجاءت بحسب قوله لكي يختبر بنفسه هذه التّجربة الروحية الفريدة، كما يروي في كتابه أنّه سافر بجواز سفر يحمل اسم عبد الله بن البشير، وكان بصحبة مجموعة من الحجاج المغاربة، انطلقوا في واحدة من أمتع وأصعب الرحلات صوب مكة والمدينة المنورة، عبر البحر بسفينة أقلتهم من ميناء الصويرة المغربي، ولكنها تحطّمت قرب ميناء جدّة السعودي، لكنه نجا مع الرّكاب، وبعد صعوبات جمّة وصل ومجموعته إلى مدينة جدّة، وقد وصف أهلها وشوارعها وأسواقها بدقة متناهية، ويقول: (إن جميع اللغات والأديان وأن أسمى أجناس البشر قد انطلقت من الشرق العظيم، فهو جدير بأن يكون مهداً للإنسانية جمعاء، وأن يكون مثالاً للتسامح والحوار البنّاء».

  • غلاف كتاب رحلتي إلى مكة
    غلاف كتاب رحلتي إلى مكة

يتحدث كورتيلمون عن رحلته بلغة بسيطة لا تخلو من بلاغة ومشاعر روحانية متدفقة، فيصف استعداداته لبدء أداء فريضة الحج بدقة متناهية، وصولاً إلى مكة المكرمة على ظهور الجمال ودخول الأرض الحرام، أو المدينة المقدّسة، ثم دخول الحرم الشريف، ويقول لحظة دخوله الحرم: «بعد ترحيب المطوّف عبد الرحمن بوشناق، دخلنا فناء الحرم الشريف، وهو المسجد الكبير الوحيد في مكة، الكعبة المشرّفة تشمخ أمامنا بجلال، تحيط بها كسوتها السوداء المزخرفة، فعلمت بأنني هنا في مركز العالم، أنا هنا قريب من الله، ثم بدأنا بأول الصلوات، لقد شربت بانتعاش كبير من ماء زمزم، الماء الذي لم أشرب مثله في حياتي».
في الواقع أن رحلة كورتيلمون الاستثنائية هذه تحمل الكثير في طياتها، ما يصعب الحديث عنه في هذه العجالة، فقد تحدث فيها وبالصور عن بيوت مكة التي يحتل فيها السّطح في هذا الوقت من السنة أهمية خاصة، فالسطوح كما يقول هي شقق سكنية من دون سقوف، وكيف أن أهل مكة يصعدون إلى هذه السطوح لكي يناموا فيها طوال شهور عديدة من السنة، كما يتحدث عن جبال مكة وضواحيها وعادات وتقاليد أهلها وعاداتهم وأسواقهم التي يسميها ب «البازارات» حيث أنواع البضائع التي تباع فيها من الأعشاب الطبية إلى المسك والعنبر والتمور والمشغولات والخناجر التي يطلق عليها اسم «الجنبية» ثم يستعرض الحالة الروحانية الهائلة التي تعيشها مكة المكرمة في موسم الحج، التي يرى أنها تظاهرة دينية ثقافية عالمية، تجري في مكان عظيم كان مهبطا للوحي، وقد أصبح في العصر الحديث ملتقى عصارة الفكر الإنساني.