إيهاب الملاح (القاهرة)

«في مكان ما على الأرض، دائماً ما ينجو رجل مشتت يقضي وقته حالماً، ولا ينام أو يعمل، كما أنه ليس أمامه من خيارٍ سوى أن يفنى كأي كائن بشري، إلا إذا كان من النوع الذي يؤلف القصص ويحكيها. نحن أيضاً متأكدون من أن هذا الكائن الافتراضي، والذي سيصبح معادياً للمجتمع، سوف يجد لنفسه جمهوراً متأثراً بالسم نفسه، وسيحيط به ذلك الجمهور لكي يستمع إلى أكاذيبه»..
هكذا يصف الكاتب والناقد الكولومبي ج.س. أونيتي أسطورة الرواية في كولومبيا، بل في العالم أجمع، جابرييل جارثيا ماركيز، ما يقرب من عشر سنوات على رحيله، وما زال ملء السمع والبصر وكأنه لم يمت أبداً، أسطورة الرواية اللاتينية وتيار الواقعية السحرية، الشهير بـ«جابو» الذي تعد سيرة حياته بتعقداتها وتشابكاتها، ولحظاتها المفصلية، لحظات الإحباط والفشل ولحظات الانتصار والفوز، والوصول إلى أقصى ما يطمح إليه كاتب، الشهرة والمال والانتشار الساحق، كل ذلك الذي يعد رواية ضخمة بمعناها الحقيقي، سجل منها ماركيز نفسه جوانب منها في عمله الروائي البديع «عشت لأروي»، كأنه جماع حياته كلها وبعد رحيله أيضاً.
بعنوان «ماركيز لا أموت أبداً حكايات كتبه»، يعيد الكاتب والناقد والصحفي الكولومبي كونرادو زولواجا كتابة سردية ماركيز الإبداعية السحرية مع الكتابة والرواية والتأليف في هذا الكتاب الذي ترجمه إلى العربية سمير بشير محفوظ، وصدر حديثاً عن دار العربي للنشر والتوزيع. في هذا الكتاب سيحكي عنه أصدقاؤه، مثل خوليو كوتاثار وفوينتس وماريو بارجاس يوسا وخوان رولفو وغيرهم من أساطين وكتاب تيار الواقعية السحرية. بالقدر ذاته سيحكي ماركيز عن نفسه أيضاً، يعترف بوضوح:
«أنا كاتب لأنني إنسان خجول. إن صنعتي هي السحر، لكن طول المدة التي استغرقها في صناعة سحري، تصيبني بالاضطراب، فأضطر إلى أن أحتمي بالعزلة التي يوفرها لي الأدب. على أية حال، قيامي بالأمرين معاً، السحر والأدب، يؤدي بي إلى الشيء الوحيد الذي أثار اهتمامي منذ أن كنت طفلاً: أن أصدقائي سيحبونني أكثر».
في هذا الكتاب سنتعرف على ماركيز الصغير أو «جابو» الذي تربى على يد أجداده في قرية صغيرة في الكاريبي خلال فترة من التغيرات السياسية والاجتماعية العنيفة التي كانت تجتاح كولومبيا في ذلك الحين، وسنرى بأعيننا كيف تعرض في يوم واحد لتقلبات الثلج والبرد الشديد والحر في نفس الوقت، ما ترك أثره عليه ليصبح جزءاً من مقدمة تحفته الروائية الخالدة «مائة عام على العزلة»، التي أعلنت تدشين تيار روائي بأكمله ساد لأكثر من ربع القرن، وما زالت تأثيراته سارية حتى اللحظة الراهنة في أنحاء متفرقة من المعمورة، هو تيار «الواقعية السحرية» في الأدب والفنون.