عزالدين بوركة (المغرب)

عن عمر ناهز الـ79 سنة أودى فيروس كورونا المستجد، أول أمس، بحياة الفيلسوف والمفكر المغربي محمد سبيلا، بعد دخوله عناية مركزة بمستشفى الشيخ زايد بالرباط، يوم الأحد، تاركاً خلفه إرثاً فكرياً رصيناً موسوماً بـ«الدفاع عن العقل والحداثة». كان الراحل واحداً من أهم الأسماء التي لمع اسمها في عالم الكتابة العربية الفكرية، وقد كان من بين المفكرين الذين أثثوا بنصوصهم وترجماتهم صفحات صحيفة الاتحاد بمقالاتهم العلمية الرزينة.

ظل محمد سبيلا إلى آخر أيام حياته منشغلاً بسؤال الحداثة والتحديث، وقضايا الفكر المعاصر، مشكلاً إلى جانب محمد عابد الجابر، وجورج طرابيشي، وسالم يفوت، وعبد الوهاب المسيري، وصادق جلال العظم وغيرهم... مرحلة أساسية في التفكير العربي المعاصر، مرحلة مشحونة بإرهاصات ومخاضات الحداثة العربية. برحيل محمد سبيلا تفقد جامعاتنا أستاذ جيل، ويتوقف مسار مفكر حافل بالعطاء والتفكير في مضمار مشروع فكري تبلور على مدار سنين من الكتابة والتفكير والتفلسف، بدأها منذ سبعينيات القرن المنصرم. مؤلفاً كتباً قاربت الـ20 كتاباً، من بينها: «مدارات الحداثة»، 1987. «سلسلة كراسات فلسفية»، 1991. «الإيديولوجيا: نحو نظرة تكاملية»، 1992. «الأصولية والحداثة»، 1998. «المغرب في مواجهة الحداثة»، 1999. «الحداثة وما بعد الحداثة»، 2000. «للسياسة بالسياسة»، وكتاب «أمشاج»، سنة 2000. «دفاعاً عن العقل والحداثة»، 2002... وصولاً إلى الشرط الحداثي، 2020، الصادر عن دار خطوط وظلال، بالأردن. إلى جانب ترجمات فكرية وفلسفية لكبار الفلاسفة الحداثيين، وما بعد الحداثيين. من بينها: «الفلسفة بين العلم والإيديولوجيا»، لألتوسير، 1974. «التقنية-الحقيقة-الوجود»، لمارتن هايدغر سنة 1984م. «التحليل النفسي»، لبول لوران أسون، 1985. «نظام الخطاب»، لميشيل فوكو، 1986... «التحليل النفسي»، لكاترين كليمان، 2000. وغيرهم الكثير.

وُلد مفكر الحداثة العربية، كما يصفه البعض، سنة 1942 بالعاصمة الاقتصادية للمغرب الدار البيضاء، تابع دراسته بكل من جامعة محمد الخامس، كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط وجامعة السوربون بباريس، فحصل سنة 1967 على الإجازة في الفلسفة، وفي نفس السنة التحق محمد سبيلا باتحاد كتاب المغرب، وفي سنة 1974 حصل على دبلوم الدراسات العليا، ونال دكتوراه الدولة سنة 1992 بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط. وقد اشتغل أستاذاً جامعياً بكلية الآداب بالرباط، وشغل منصب رئيس شعبة الفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس بكلية الآداب بفاس ما بين 1972 و1980، وترأس الجمعية الفلسفية المغربية ما بين 1994 و2006... مسار طويل كان شغله الشاغل هو الحفر عميقاً في طبقات الحداثة وما بعدها، وتشريح شروطها وتفكيك أواصرها والبحث في آليات التحديث وعمل الفكر الحداثي، من أجل الخروج بمشروع مغربي وعربي قابل للتنفيذ، مشروع ينتمي إلى نقد مزدوج ينطلق من التراث ولا يقيم فيه، ويروح صوب الغرب ولا يظل ساكناً عنده، فهو يبحث هنا وهناك على فهم العقل من أجل استنبات مشروع(نا) الحداثي الخاص. فالإجابة عن سؤال الحداثة بالنسبة له كفيل بالإجابة عن الأزمات السياسية والاجتماعية والفكرية في عالمنا العربي.. وهذا ما طرحه في كتابه الأخير الموسوم بـ«الشرط الحداثي».
الشرط الحداثي، عند الراحل، يتطلب استيعاب ثلاثة تقسيمات حداثية، «الحداثة التقنية» و«الحداثة الاجتماعية» و«الحداثة الفكرية»، التي تقودنا إلى فهم العقل، وهو عينه الميدان الذي اشتغل فيه محمد عابد الجابري حول «العقل العربي».. إننا بالنسبة لصاحب «مخاضات الحداثة» ملزمون بفهم واستيعاب وإدراك التقسيم الثالث حتى نتجاوز مرحلة التحديث إلى مرحلة التقعيد للحداثة عربياً.
تميز الفيلسوف الراحل محمد سبيلا، في كل ما كتبه، بما ذلك نصوصه الفكرية وترجماته التي نشرتها صحيفة (الاتحاد) على مدار أعوام، بأسلوب سلس ومرن ودقيق، لا يبتغي أي تعقيد، متوجهاً صوب المطروح، والذي ينبغي قوله مباشرة. ناظراً إلى الحداثة بعين ثاقبة لا ترى فيها انقطاعاً ولا تقابل القدامة ولا يمكن تقطيعها إلى ما قبل وما بعد، عنده. لهذا رأى إمكانية وجود «حداثة عربية» قادمة من قراء التراث والفكر الغربي معاً، لتطويق التخلف.