إبراهيم الملا

بعد تقديمه مجموعة أفلام قصيرة تنتمي لواقعيّتها الجارحة، ويشتبك خطابها السينمائي مع الأسئلة الوجودية الحارقة في المكان، يعود صانع الأفلام والمخرج الإماراتي حمد صغران إلى التماسّ مجدداً مع المنطقة السردية المتهادية بين ضفتيْ البوح والصمت، والقول والتضمين، من خلال فيلمه الروائي القصير «وسط المسافة» الذي انتهى من إنجازه مؤخراً، مستنداً ألى فلسفة بصرية تنبع من مفهوم «البساطة المركّبة» وهو مفهوم قد يشي بالتناقض لأول وهلة، ولكنه في الأصل يقوم على المزج الجمالي بين الظاهر والباطن، والمضيء والمعتِم، والواضح والملتبس، وكأن ثمّة ميزاناً فنياً يعتمده حمد صغران كي تنجو أفلامه من المباشرة الفَجّة من جهة، ومن الرمزيّة الطاغية من جهة أخرى.
كما رأينا في أفلام صغران السابقة مثل: «ارتقاب» و«البحر يطمي» و«كاد المعلم» و«ثمّ ماذا بعد» وغيرها، فإن محاكاة الواقع لا تعني استنساخه، وإن مرجعية القصة، أو نصّ السيناريو باعتباره كياناً مُحايداً ومُسْتَنْفداً، لا يعني استنفاد طاقة التأويل في الصورة، فالبنية التراكمية للمشاهد واللقطات بدءاً من «التمهيد» ثم «الصراع» وصولاً «للذروة» هي بنية حيوية ومتحركة بين يدي المخرج بما يملكه من استقلالية في الرؤية والأدوات والمخيّلة.

يبدأ فيلم «وسط المسافة» بمشهد خارجي يتأسّس على الوضوح المراوغ -إذا صح الوصف- حيث نرى رجلاً على دراجته النارية أمام بيت متواضع تخرج منه امرأة ترافق الرجل على دراجته وكلاهما من الجاليات الوافدة للمكان، ولا يمكن للصورة أن تنطق هنا إلا بلسان الاغتراب والغرابة أيضاً، قبل أن ينتقل بنا المخرج مباشرة إلى مشهد داخلي مغاير ولكنه مألوف نرى فيه فتاة مواطنة تتزين أمام مرآتها وتستمع لأغنية غربية، ومع خروجها وأثناء مرورها على صالة المنزل يعود حسّ الاغتراب مرة أخرى، وبشكل أكثر قسوة مما أحسسنا به في المشهد التمهيدي، فالأم منشغلة بذاتها، والأب طريح الفراش في غرفة مجاورة، وبينهما الفتاة المسكونة بحيرتها وصمتها، وكأنها تعبر وسط برزخ رمادي منزوع من التواصل والحميمية، برزخ من العزلة المُضاعفة، والانقطاع المرير.
تقود الفتاة سيارتها في فضاء يجمع بين التشخيص والتجريد، حيث الإسفلت الممتد بين جبال شاهقة وأراض جرداء، يبدو وكأنه المُعادل الموضوعي لدواخل الشخصية الرئيسة بالفيلم، فمن دون إسهاب وخوض تفصيلي في تاريخ هذه الشخصية، نستكشف من خلال التداخل البصري بين المكان والذات مدى الآلام والعذابات والتضحيات التي عانتها هذه الشخصية، ومع العطل الذي أصاب سيارة الفتاة في منتصف الطريق يبدأ الفيلم في نسج إيحاءاته الفنية والشعرية، وخلق الترابط المطلوب بين الأشياء وخلفياتها، متخلّصاً وبالتدريج من الإبهام المرافق للّقطات الأولى في الفيلم، فبعد استنجاد الفتاة بابن عمها (بدر) كي ينقذها ويحلّ مشكلتها، تأتي جملة (بدر) الصارخة، وسؤاله الاستنكاري: «ألا تقول دائماً: إنها امرأة مستقلة، لماذا لا تتصرف لوحدها؟»، لقد فتح هذا السؤال منفذاً مهماً للتعامل مع النقطة الحرجة في السرد، النقطة التي تفتح مغاليق التابو والمسكوت عنه، النقطة التي تتقاطع فيها قوة المرأة مع ضعفها، وحريتها الداخلية مع خضوعها للشرط الخارجي وضغوطه، خصوصاً في المجتمعات المحافظة، التي تنظر للمرأة من زوايا وأبعاد لا تغادر منطقها الأحادي المتوارث (مشهد الفتاة في الفيلم عندما يتوقف أمامها شباب عابرون بسيارتهم، وبدلاً من مساعدتها، ينظرون إليها بازدراء وريبة).
في الثلث الباقي من زمن الفيلم نرى (بدر) وهو يصل إلى مكان تعطل السيارة، ويحاول مساعدة ابنة عمه، في مشهد بدهي يعكس معنى النخوة ومد يد العون، ولكن الحوارات اللاحقة بين الشخصيتين عكست جوهر الصراع بينهما، بين أفكارهما ومبادئهما بالأحرى، حيث يتكشّف لنا حجم الامتعاض المختزن في دواخلهما، والإدانة المتبادلة بينهما، انطلاقاً من وجهتي نظر متباينتين تماماً، تؤكد الفتاة أنها تحررت من القيود الاجتماعية، بينما ما يزال ابن عمها أسيراً لها، وإنها استقلّت بذاتها وغادرت منطقة «الثبات» إلى منطقة التغيير والتنوع والتحوّل الإيجابي، ويرد عليها ابن عمها بأنه متشبث بمبادئه وبأفكاره التي يؤمن بها، ولا يعتبرها قيوداً، لأنها انبنت على القناعة والاختيار، فتقول له الفتاة: «لقد وقفت أنت في الوسط، وبقيت في مكانك، وقفت مثل ما وقف الكلام بيننا».
يرد عليها: «ماذا أقول لك» فتجيبه: «لا تقل شيئاً، دعنا صامتين» لينتهي الفيلم على مشهد يحمل الكثير من الدلالات والرموز، عندما يعبر الرجل وخلفه المرأة الأجنبية بدراجتهما التي رأيناها في بداية الفيلم أمام بدر وابنة عمه الواقفين في منتصف الحيرة والذهول، وفي قلب المتاهة الشرسة بين عنفوان الحاضر وعنف الماضي.
نجح المخرج حمد صغران في النفاذ إلى عمق الشخصيات المحورية في الفيلم، وطرح قضيتها من خلال رؤية إنسانية تنطلق من الخاص إلى العام، ومن الحالة المغلقة إلى واقع أكثر شمولية وأكثر اقتراناً بالظواهر الاجتماعية المستجدة، ومن دون فرض وجهة نظر محددة وقاطعة، معتمداً في رؤيته المتزنة هذه على الاختزال والتكثيف السردي في حيّز زمني قادر على إيصال رسائل الفيلم ومضامينه. كما نجح المخرج في توظيف الحوارات بشكل محكم ومن دون إسهاب، مستفيداً في أحيان كثيرة من دلالات الحركة الجسدية للشخوص، وردات فعلها وطاقاتها الأدائية، بعيداً عن الخطابة والمباشرة، مما يجعل المشاهد شريكاً في إضفاء المعنى على الفيلم ومتصلاً وجدانياً معه، ومساهماً في قراءة تفاصيله وفهم صراعاته حتى خارج حدود الفيلم نفسه، هناك حيث تتنفس الحياة جدليتها المتواصلة حول مفاهيم «الصواب» و«الخطأ» و«الخير» و«الشر» و«الحقيقة» و«الوهم».