إعداد: عز الدين بوركة

في التاريخ المعاصر تجارب تشهد على «الالتزام في الفن». إذ نجد مثلاً جان لوي فيرْيي في كتابه «من بيكاسو إلى غرنيكا» يحرص على أن يُبيّن بأمانة مناقضة للروح السارترية، أن الفنان أيضاً يمكنه أن يكون ملتزماً. وبنظرة خاطفة على التاريخ، خاصة في القرن الماضي، يمكن الوقوف عند مفهوم الالتزام الفني، المسرحي في هذه الحالة، من خلال مناقشته لنفسه والبحث عن تحديد لمعانيه، وأيضاً لخوضه قضايا ذات صلة بالفرد سياسياً واجتماعياً واقتصادياً وفكرياً... هذا فضلاً عن مفهوم الالتزام بالكتابة وفي الكتابة أيضاً. ولهذا يمكن النظر إلى الالتزام في المسرح من زاويتين مختلفتين، أولاً على أنه لحظة من تاريخ هذا الفن بوصفه تياراً ومذهباً عرف إشعاعه وكثافة حضوره في زمن محدد واندثر. ثانياً على أنه وجه للممكن الفني والأدبي عَبْر-تاريخي، يتخطى كل المراحل التاريخية حاملاً أسماء وأشكالاً على امتداد التاريخ الفني. والسؤال، أين مكمنه اليوم ضمن الكرتوغرافيتنا المسرحية والفنية بالمغرب والوطن العربي؟ وهل تراجع بالفعل إشعاعه وانتهت زمنيته؟ وما هي الأسباب والمسببات، وأهم التجارب، والآفاق المستقبلية بهذا الشأن؟ أسئلة يجيب عنها كتاب وباحثون ومسرحيون في هذا الاستطلاع.

  • خالد أمين
    خالد أمين

خالد أمين: مراجعة الأسس
يقول خالد أمين، كاتب وأكاديمي وباحث، إن النكسة مكّنت المسرحيين العرب من مراجعة الأسس التي تنبني عليها مرجعياتهم المسرحية من خلال التأكيد على المصالحة مع الوجدان الفرجوي العربي، واستثمار الأشكال الفرجوية التي أزاحها الانبهار العربي بالإبدال المسرحي الغربي، وما تلاه من تقويض وتهميش للقيمة الأدائية والمسرحية لباقي الفرجات الضاربة في القدم في البلاد العربية. وكان الالتزام حاضراً من خلال الموضوعات، وأيضاً من خلال تثوير الأشكال الفرجوية. وقد أعقبت هذه اللحظة، تالياً، لحظة التفكير العابر للحدود: وهي لحظة إبداع إبدالٍ ثالث من شأنه تجاوز «الرفض ما بعد الكولونيالي» الذي حاول جاهداً التخلص من الإرث الاستعماري من خلال إبراز الخصوصية المحلية والإرث العربي القديم، كما لو أنه إرث خالص لم يخضع هو الآخر لصيرورات تناسج مع الحضارات والثقافات الفرجوية غير العربية.
وإجمالاً، تتسم هذه اللحظة اللاكولونيالية التي نعيشها اليوم بتقديم أجوبة مغايرة لأجوبة الأمس القريب، ويكمن هدفها الأساس في تقويض حالة الانبهار الثقافي التي لا تزال مستمرة إلى الآن رغم زوال الاستعمار المادي والعسكري. وباختصار، تندرج بعض الحساسيات المسرحية العربية المعاصرة ضمن هذا الإبداع العابر للحدود ليبرز موقعه المنفلت من مركزية الغرب والشرق معاً.

  • ‎كتاب لخالد أمين
    ‎كتاب لخالد أمين

وأهم ما يميز اللحظة هو انعطافة بعض مسرحيينا لاستشكال الأنماط المسرحية السائدة ومساءلتها من داخل الفرجة المسرحية: هل هذا التوجه أبعد مسرحنا الراهن عن الالتزام؟ سؤال صعب.
ومن طبيعة (المسرح الذي يفكر) -والإبداع الملتزم عموماً- تجاوز الواقع الحالي، أحياناً، ونفيه، أحيانا أخرى، وقبل كل ذلك استفزازه بالأسئلة القلقة شكلاً ومضموناً... وبالنظر إلى طبيعة الثقافة المغربية ونوعية المخاضات السياسية والثقافية التي شهدها المغرب خلال فترة السبعينيات والثمانينيات، فقد حاول المسرحيون المغاربة الإفلات من مختلف أشكال الرقابة بنأيهم بإبداعاتهم نحو دراما ماضوية مستمدة من التراث، وضعوها في إطار قوالب استعارية قد تنزاح بالفكرة الأصلية والموضوع نحو أبعاد تمويهية تحجب الأصل، وتخفيه، متجاوزة بذلك المقص الرقابي. فشكلت مجموعة من النصوص المأخوذة من روائع الأدب العربي البديل الرمزي للوضع السياسي الراهن آنذاك. ويبقى الميل إلى خلق مسافة تاريخية واضحاً من خلال مسرحيات عدة.

  • بوسلهام الضعيف
    بوسلهام الضعيف

بوسلهام الضعيف: مسرح الهواة
عن حالة المسرح في المغرب، يرى المخرج والكاتب المسرحي، بوسلهام الضعيف، أن المسرح المغربي تفاعل بشكل كبير مع القضايا الفكرية والإيديولوجية التي يعيشها العالم، حيث تفاعل مسرح الهواة في الستينيات، وخصوصاً في السبعينيات مع فكرة الالتزام في الفن، فوُصف مسرح الهواة بأنه مسرح ملتزم، والالتزام هنا يعني أنه فن مرتبط بقضايا الشعب، وقضايا الشعب. بهذا المعنى، تحيل إلى الفقر، التحرر.. إلخ. فتم التمييز بين مسرح ملتزم ومسرح آخر، مسرح يمكن أن نطلق عليه العديد من النعوت المقابلة: (مسرح مدجن، مسرح للميوعة، مسرح لا يخدم القضية، مسرح غير ملتزم...). فالالتزام كان نمطَ مسرحٍ وهدف في حد ذاته وهكذا نجد أحد أبرز مهرجانات مسرح الهواة، وهو ملتقى الاتحاد الإقليمي لمسرح الهواة بأكادير يحمل شعار «من أجل مسرح ملتزم». وبعد سقوط المعسكر الاشتراكي السابق تغير النظام العالمي، وأعني أن الثنائية القطبية التي كانت تحكم العالم اندثرت، واختلطت الأوراق، مع بروز مفاهيم أخرى، ولكن بمرجعيات جديدة- قديمة عديدة.

  • كتاب بوسلهام الضعيف
    كتاب بوسلهام الضعيف

ومن خلال هذا المسح التاريخي يمكن أن أقول: إن الفنان على مر التاريخ كان يبدع ضمن أعراف تسيّج مساراته، وقوّته في أن يستطيع ضمن هذا التوافق المجتمعي السائد خرق قيم النظام الذي يحد من حريته. وفي مسرح الهواة كان الهاجس هو الطرح -القضية- الموضوع، ومن ثمة أصبحنا في الغالب أمام مسرحيات تقدم خطابات مباشرة في غياب أدوات فنية وجمالية. ولكن التجارب الاستثنائية، التي أصبحت خالدة، هي التي استطاعت أن تكون ملتزمة جمالياً وفكرياً، شكلاً وموضوعاً. 
واليوم ما ألاحظه هو أن ما كنا ننتقده في مسرح الهواة من إغراق في الخطابية، أصبحنا نعيشه بشكل آخر، فقد أصبحنا نغرق في الثرثرة الجمالية فوق الخشبة، ربما لأننا نعيش في زمن اختلط فيه الكثير من الأوراق. ولكن على الفنان أن يجد مكاناً مختلفاً، مكاناً يقدم فيه رؤية وموقفاً بأدوات فنية جمالية، وأن يكسب حريته، أعني أن لا يكون رهيناً لغوايات الجماليات وحدها، ولا خادماً مبهوراً بالأفكار والشعارات أيضاً. وبعبارة أخرى، أن يكون قادراً على خلق المعنى.

  • محمد زيطان
    محمد زيطان

محمد زيطان: بريق الصورة الرقمية
 يرى الكتب والباحث المسرحي محمد زيطان أنه يصعب علينا -اليوم- كثيراً أن نتلمس مفهوم الالتزام بتحديداته السياسية والفلسفية والفكرية المعروفة، سواء على مستوى النصوص المكتوبة أو على مستوى العروض المنجزة. لأن مفهوم الالتزام كشرط إبداعي أساساً، قد عرف في حد ذاته تغييرات راديكالية، نظراً لتراجع أسباب وجاهته وشروط فاعليته. لأنه كان معطى تاريخياً في المقام الأول، إذ كان بإمكاننا في حقبة ما أن نصف بعض التجارب المسرحية بالتجارب الملتزمة.
ومن جهة أخرى، فسمات الالتزام تبدو اليوم غير منسجمة مع خصوصية الفرجة المسرحية المعاصرة، وهي الخصوصية، التي لا ننكر أنها تستمد مشروعيتها من سطوة الرأسمالية ومن قانون العرض والطلب، ومن أخطبوطية عالم «الميديا» وإفرازات المواقع الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي، مع ما يعنيه كل ذلك أحياناً من تشييء لثقافة الفرد والمجتمع، ومن تهميش للفكر وللقيم، في تسطيح ممنهج للخطاب الجمالي والإبداعي.

  • ‎كتاب لمحمد زيطان
    ‎كتاب لمحمد زيطان

فلا نكاد نقف على عمل يحضر فيه الصراع الذي يقتضيه مبدأ الالتزام، ولا نجد الشخصيات التي ترتدي أقنعة «المثقف العضوي» أو «البطل الإشكالي»، وإنما قد تدهمنا بشكل كاريكاتيري شخصيات عابرة بلا مواقف قوية، وأشكالٌ لصراع ملتبس وهش، وقضايا تشبه الفقاقيع الهوائية المتناثرة هناك وهناك، لأن مسرحنا اليوم هو صورة لمجتمعنا بقضاياه المستجدة وبانخراطه في اليومي وأحياناً السطحي وللعابر، حيث هيمنة خطاب إيديولوجي جديد لا علاقة له بالإيديولوجيا التي أفرزت مفهوم الالتزام في مرحلة من المراحل، خطاب يستنجد ببريق الصورة الرقمية لا بِحِدًّة الكلمة وثقلِها، مما كان سبباً في انصراف مجموعة من المخرجين إلى الاعتناء بالشكل دون الجوهر، وإلى تحويل عروضهم إلى مجرد لوحات استعراضية تروم الإبهار لا خلق مساحات للجدل وإعمال الفكر، وهو ما يفسر انطفاءها التام بمجرد إسدال الستار.

  • محمد الوادي
    محمد الوادي

محمد الوادي:  التأسيس والتأصيل
الناقد والباحث الأكاديمي محمد الوادي يقول إن الحديث عن المسرح المغربي، ومعه المسرح العربي، غالباً ما يقترن بالحديث عن إشكالية التأسيس والتأصيل وتوظيف التراث. وهذا الوضع الملتبس جعل المسرح العربي في منزلة بين المنزلتين: منزلة التأصيل، ومنزلة التحديث. وهو ما سمح، نظرياً على الأقل، بخلق مساحة فارغة كادت تشكل قطيعة بين «مذهبين». ولهذا أعتقد، بخلاف الرأي السائد، أننا في وقتنا الراهن، نحتاج إلى نظريات مسرحية، تنطلق من الذات، وتؤطر لفرجاتنا، من منطلقات فكرية وفلسفية وثقافية، وتسد الطريق على الجهل وعلى دعاة التغريب بدعوى التجريب والانفتاح، وتَبْني معرفة عالِمة، لنسجل إسهامنا المميز في المسيرة العلمية للإنسانية. ولو أضفنا هذا الشرخ إلى شرخ هيمنة الإيديولوجي على الجمالي والفني، لأصبحت مرآة مسرحنا مكسرة.

  • كتاب نقدي لمحمد الوادي
    كتاب نقدي لمحمد الوادي

وحينما نقرن الفن، كوعاء جمالي، بالفكر، كمنتوج حضاري، فإننا لا نقصي الواقع. وربما كان المسرح هو الفن الفكري الأكثر تعبيراً عن هموم وأحلام وتطلعات أمة بأسرها، وخصوصاً إذا كانت هذه الأمة حية في حركتها الاجتماعية، وروافدها، ومرجعياتها الدينية والفلسفية، ذلك لأن المسرح منفتح على بقية الفنون، وباقي العلوم، وكل أشكال المعرفة الإنسانية، ولأنه كذلك فهو يمزج بين التجربة الفردية والجماعية، التجربة القديمة والمعاصرة.