د. حورية الظل

بما أن شعار «إكسبو» يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالاستدامة، فإن دولة الإمارات جعلت من الطبيعة ومن الحفاظ على البيئة أولوية، وهذه الأولوية، تبدت في التصاميم وسرت في كل تفاصيل المعرض وفقراته وبرامجه وعروضه، وسنركز على حضور الزهور وبتلاتها في «إكسبو» وعلى أوجه هذا الحضور.
تُعد الزهور والورود الجزء الأكثر جمالية وإبداعاً في الطبيعة وأيضاً الأكثر هشاشة، الأمر الذي يجعلها تتطلب عناية أكبر نظراً لدورها المهم في حياة الكائنات الحية، وقد اهتم الفنانون بالزهور والورود وبتلاتها منذ القِدم، فنجدها في المنحوتات والنقوش الجدارية القديمة عند مختلف الحضارات وأيضاً في المنمنمات، كما نجد الكثير من عظماء الفنانين استحضروها في أعمالهم، ومن هؤلاء «كلود مونيه» الذي عبرت لوحاته عن شغفه برسم الزهور، وركز على تأثيرات الضوء والظل على ألوانها، وأيضاً تحتضن العديد من المدن الإيطالية مهرجاناً سنوياً للزهور، فتستخدم البتلات لإنشاء أعمال فنية مذهلة في الشوارع، أما في الصين فإن الزهور جزء معتبر من فنونها، ومن خلال حضورها في الفن يترجم الصينيون احترامهم العميق لعجائب الطبيعة، وبما أن «إكسبو دبي» عمل فني متكامل، فقد تمت محاكاة جمال الطبيعة كترميز لضرورة الحفاظ عليها، من خلال عمارته وبعض أعماله الفنية، وهذه المحاكاة تمثلت في استحضار الزهور وبتلاتها كتصاميم معمارية، وأشكال فنية وأيضاً كشكل هندسي لجزء مهم من المعرض، وهذا الاستحضار ترجمة صريحة لكون الاستدامة والحفاظ على البيئة محور رئيسي في المعرض، وأيضاً كتأكيد على قيمة الزهور والبتلات في الطبيعة، وسنمثل على ذلك بالبتلات الثلاث التي تشكل المناطق الثلاث بـ«إكسبو»، وأيضا بعمل للفنان البريطاني الشهير مات كوليشو، والذي عنوانه «إكوينوكس»، وهو عبارة عن زهرة لوتس ضخمة متحركة تزين جناح الاستدامة.

بألوان المستقبل
جعل مصممو «إكسبو» المناطق الثلاث في المعرض على شكل بتلات ثلاث، كتعبير عن التقاطع بين التصميم المعماري والطبيعة، وأيضا اعترافًا بجمال الطبيعة التي تعد المشروع الإبداعي الأكثر بهاء، والذي يعلمنا التصاميم السلسة والمتوازنة والنظام المتسلسل والمتكامل، ويقوم المعرض على ثلاثة مواضيع وهي الفرص والتنقل والاستدامة، وكل موضوع عبارة عن بتلة، حيث تتشكل هذه المناطق من ثلاث بتلات متصلة بساحة الوصل التي تعد قلب «إكسبو» النابض، فتشبه قلب زهرة تنبض بالمخلوقات وبالحياة. وتبدو هذه المناطق من الأعلى كزهرة ضخمة بثلاث بتلات، وهي توحي بموضوع المعرض كما تضفي جمالية خاصة على شكله العام، وتبدو في الليل نتيجة انعكاس الأضواء ملونة بألوان من الخيال، واستحضار بتلات الزهور في تصميم المناطق الثلاث منحت المعرض جمالية أكيدة تختص بها العمارة المستقبلية والمستدامة، وأيضاً كزيادة في تأكيد أهمية الطبيعة، وأهمية الحفاظ عليها من أجل استمرار الحياة على الكوكب، وهذه البتلات أو المناطق الثلاث هي الأكبر في موقع «إكسبو».

وشكل البتلات الثلاث، ترجم بصدق، المواضيع التي يقوم عليها «إكسبو»، وهي الفرص والتنقل والاستدامة، وتضم المناطق الثلاث أجنحة عشرات البلدان، كل جناح تم تصميمه بطريقة جمالية مع جعله خاضعاً لمعايير الاستدامة وأيضاً معبراً عن طموح الدول المشاركة وتطلعها لمستقبل مستدام، بالإضافة إلى منافذ بيع الأطعمة والمشروبات والتجارة، وأماكن لتقديم العروض الفنية والترفيه، وتضم كل منطقة من المناطق الثلاث جناحاً خاصاً بموضوعها ولجعل التصميم يتماشى مع باقي العناصر فقد تم تزيين ممرات المناطق بالنباتات، كما تم إدخال ما هو مبتكر كالتظليل الذكي، والخلايا الشمسية، وآليات التقاط الرطوبة والممرات المزينة بنباتات من البيئة المحلية.

بتلات «إكوينوكس»
تعدد استحضار الزهور وبتلاتها في «إكسبو دبي»، في التصاميم المعمارية، وأيضا في الأعمال الفنية، وسنمثل على ذلك بالعمل الفني المتحرك الذي يزين جناح الاستدامة ب«إكسبو»، وقد أنجزه الفنان البريطاني الشهير مات كوليشو، ويحمل عنوان «إكوينوكس»، وهو عمل فني ثلاثي الأبعاد، ويبلغ ارتفاعه أكثر من خمسة أمتار، وعرضه ثلاثة أمتار. والعمل رسالة مفتوحة لكل الزوار لإعادة النظر في علاقتهم بالبيئة، وضرورة الحفاظ عليها لضمان سلامة الحياة على الكوكب، وأكد ذلك صاحب العمل الفني كوليشو بقوله «يتناول عملي كيفية تعامُلنا نحن البشر مع العالم وما نتخذه من خيارات».
إذن، إنه عمل ينبه إلى أهمية احترام دورة الحياة، والحفاظ على البيئة، وتبني خيارات بديلة عن الخيارات الاستهلاكية السائدة والتي أضحت مهددة للحياة على الكوكب، ومن جهة أخرى فإن عمل كوليشو، يحمل رسالة مفادها، أنه مهما بلغت ضآلة وهشاشة ما يوجد في الطبيعة، فإن له أهمية كبرى ولم يوجد سدى، وإنما وُجد لسبب، فالزهور لم توجد لتجميل الكوكب فقط وإنما لها أدوار أخرى، ويوضح من خلال عمله، كيف تشكل الزهور جزءاً من نظام بيئي أكبر يتضمن كائنات حية أخرى، فجعل مجموعة متنوعة من الحشرات تدور حول محور الزهرة الرأسي وأخرى تتوزع على بتلاتها، وجعلها تبدو وكأنها تقوم بأدوارها في تكامل وانسجام، كما هو الأمر في الطبيعة حيث تطير لتأكل وتلقح الزهرة، أما البتلات فبدت مكاناً مثالياً تلوذ به الحشرات، ومن خلال هذا العمل الفني ذو الحجم الضخم، وضعنا الفنان أمام حقيقة مفادها أن حياة الحشرات على المحك، والأخطار المهددة للطبيعة مهددة بالنتيجة للحشرات، وإن لم نأخذ الدرس فإننا سنخسر الكثير نتيجة تناقصها، لكنه بالمقابل أظهر حجم الكارثة بطريقة جمالية ليكون التأثير أكبر على المتلقي، إنه عمل فني متميز ركز من خلاله الفنان، على الجانب الهش في الطبيعة، الزهور والحشرات، وقد أكدت ذلك مدير أول، جناح الاستدامة، منى العلي، قائلة «يقف إكوينوكس في قلب تيرّا، ليلبي الغرض الأساسي من جناح الاستدامة، وهو استعراض الرقة المدهشة لعالمنا الطبيعي وواجبنا المشترك في صونه لصالح البشر وكوكب الأرض معاً».
وعليه، يتأكد أن «إكسبو دبي» يتكئ على ما هو جمالي ومستدام من أجل إلهام زوار المعرض للتأثير في المستقبل وتغييره، من خلال تبني خيارات جديدة كلها تصب في صالح الطبيعة والإنسان.