السبت 27 نوفمبر 2021
أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
ثقافة
د. عبدالله الغذامي يكتب: السر أو الدخان من دون نار
عبدالله الغذامي
السبت 30 أكتوبر 00:13

هناك مقولة ثقافية خداعة هي قولهم «لا دخان دون نار»، وهذه المقولة هي الشفيع الثقافي للشائعة، والشائعة أصلاً هي نوع من الخبر الذي يتلبس بالسرية التي ستساعد على تمريره لأنه مع السرية لا يحتاج للبرهنة أو تثبيت المصدر، كما أن الشائعة تستقل عن قائلها الأول وتغري كل ناقل لها أن يكون في موقع القائل الأول، وكلما مهرت رواية الشائعة بتلبيسها لبوس الإلغاز، تقوت عبر تعتيم الألفاظ وتمريرها وكأنها مريرةٌ في حلق القائل الذي عادةً يظهر التردد في دفع عناصر سرد الشائعة وكأنه يقول فقط بعض ما يعرف على أن «ما خفي كان أعظم»، وهذه جملة ثقافية تمثل دور الشفيع أيضاً في تمرير الخبر بوصف ما قيل هو الأقل، بينما المخفي أخطر. وهنا يستقر الخبر ويتهيأ لفرص الزيادة وتمديد التفاصيل، وأول علامات الاستقرار للخبر المشاع أن يعامل بوصفه دخاناً لأن انتشار الدخان «الخبر» يجعله دليلاً على ذاته ولا يحتاج لأدلةٍ من خارجه.
ومع ظهور الصناعة الإعلامية الهائلة جاء قانون حماية المصادر وحق الصحفي أن يخفي مصادره، وهنا تأتي عبارة: «مصادرنا»، وهي المقولة التي تتصدر أي خبر مقنع بالسرية لتعطي الجهة معاني القوة بأن لها مصادرها الخاصة، وأنها تصل لمخازن الأسرار، وهذه ترقية للدعوى الشعبية بأن أناساً من الواصلين يقولون كذا وكذا.
ويدخل في هذا ما يسمى اجتماعياً بالحش، حيث لا تأنس المجالس الخاصة إلا بالحديث عن الغائب، والحش هو أي قول لا يصح إظهاره للعلن، وسريته مع انتفاء مرجعيته تجعله سرديةً مغريةً تطرب لها النفوس وتستمتع بها روايةً أو سماعاً، ولن يخلو مجلس من حش ينال غائباً ما.
وأخطر مناحي صناعة الأسرار هو المخترع الاستخباراتي الذي يجعل المعلومات كلها سرديةً، ثم تأتي لعبة التسريبات، حيث تلعب التسريبات خطورةً عالية في تسويق الكذب، وكل خبر يترك له الانطلاق تحت مظلة التسريب يسير بسرعة البرق بين البشر، ويتم تصديقه بقوة تفوق أي قوة للتصديق الحقيقي الواقعي، وهذه كلها مهارات كانت شعبية وتلقائية، فتحولت مع الزمن إلى صناعة إعلامية واستخباراتية، وكل سياسي يريد مخاتلة الجماهير سيسهل عليه القول: إن هذه أموراً تمس الأمن القومي، وهذه جملة هي مخترع ديمقراطي في الأصل ويسود في المجتمعات الديمقراطية التي تقوم أنظمتها على الشفافية والمحاسبة ولا مفر عن هذا القانون إلا بقانون موازٍ له حول الأمن القومي، وهنا تسكت الأسئلة من جهة وتمر القصص محروسةً بدخانها الذي سيكون حجتها الخاصة التي ستصنع ناراً لا يراها أحد.
وسيكون الدخان حجةً للشائعة، إذ لا دخان دون نار، ولكن دخان الشائعة ليس سوى ترددها على ألسنة الناس، وسيتحول ذلك من ألسنة الناس إلى ألسنة النار ودخانها، مما يجعل شيوع القول بمقام الدخان الذي ستزعم الحكاية أنه يخفي وراءه ناراً، ولذا تحضر الجملة اللازمة «لا دخان بلا نار» لتجعل الشائعة حقيقةً يتم لصقها بشخص ما وسيكون هذا الشخص ضحيةً لدخان ألسنة الناس.

الأكثر قراءة
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2021©