السبت 27 نوفمبر 2021
أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
ثقافة
تفكيك لرموز العنف
تفكيك لرموز العنف
الخميس 25 نوفمبر 01:37

بقلم: رونيه جيرار
ترجمة: أحمد حميدة

حروب، نزاعات، عنف أسريّ، تحرّش جنسيّ، اغتصابات.. لقد تعدّدت أشكال العنف في مجتمعاتنا الحديثة لتصبح ظاهرة طاغية، مستشرية، وكليّة الحضور، غير أنّه ينبغي ألاّ يحجب عنّا مثل هذا الإقرار البديهيّ، الطّبيعة المعقّدة لهذه الظّاهرة الخطيرة والصّادمة على الدّوام.. متسائلين عن أسبابه، متلمّسين لتجلّياته، مستوضحين عن مدى مشروعيّته، فإنّ الفلاسفة والمفكّرين الذين اهتمّوا به، لم يسألوا في الحقيقة غير وحشيّة الإنسان وشراسته القاطعة، فضلاً عن تداعيات ذلك العنف على المبادئ والقيم التي يرتهن إليها تطوّر مجتمعاتنا في الزّمن الرّاهن.

عودة إلى جذور العنف
«غالبا ما يقدَّم العنف على أنّه عنف مضادّ، أيّ ردّ فعل على العنف الذي يمارسه الآخر»
(جان بول سارتر)
واجهت الفلسفة منذ البدايات مسألة العنف، فهذا هيراقليطس إيفيز قد شدّد منذ أمد بعيد على الطّبيعة العدوانيّة للكائن البشري، ورأى فيه كائناً محتشداً بنوازع للتخاصم والشّجار تكاد تكون فطريّة، ليقرّ في النّهاية بأنّ «الصّراع.. هو أصل كلّ الأشياء»، وقد عملت الفلسفة منذ تلك البدايات على تلمّس أسبابه لتنتهي إلى أنّ تلك النزعة كامنة في فكر الإنسان ذاته.
لقد شهد التّاريخ عبر آلاف السّنين تشكّل مجتمعات وثقافات وحضارات شديدة التّباين والاختلاف، ولكن لم يشهد أيّ منها أبداً اِمّحاء ظاهرة العنف، وإن اتّخذ هذا العنف شكلاً شرسا في الحرب، أو شكل عداء مَرِيدٍ تجاه الآخر، أو تأديباً له بكلمات فظّة وجارحة.. فإنّه من الواضح أنّ العنف كان ويظلّ سمة ثابتة في سلوك البشر. 
ويكشف لنا جان بول سارتر عن طبيعته قائلاً «ليس العنف وسيلة من بين وسائل أخرى نلوذ بها لبلوغ غاية ما، وإنّما هي خيار متعمّد لإدراك تلك الغاية يأيّ وسيلة كانت».

أيّ تعريف للعنف؟
يرى أغلب النّاس أن العنف هو استخدام للقوّة الجسديّة والنّفسانيّة لإكراه الآخر أو السّيطرة عليه أو النّيل منه.. أو تصفيته.. ويفترض في هذا العنف أن يكون مترافقاً مع الضّرب والإيذاء وإلحاق أضرار جسديّة مؤلمة بالغريم المعنّف، وهذا ما ذهبت إليه منظّمة الصحة العالميّة، التي عرّفت العنف على أنّه «الاستعمال المتعمّد للقوّة الجسديّة والتّهديد تجاه الآخرين أو تجاه جماعة من النّاس، وأنّه استعمال للقوّة قد يخلّف أضراراً جسديّة ونفسانيّة بليغة في المعتدى عليه، بل وقد تتسبّب أحياناً في هلاكه».
لقد بات العنف اليوم محلّ انشغال أغلب الدّول، وهو الذي غدا يهدّد تماسك المجتمعات، وينذر بنسف أمنَها وتوازنها، ولكن كيف كان ينظر إلى هذا العنف في ما سلف من الأيّام؟
إنّ الكثير من الممارسات الموصوفة بالعنيفة اليوم من قبل المجتمع والمؤسّسة القضائيّة، لم ينظر إليه دوماً على أنّها كذلك، بل إنّ بعض الأشكال من العنف، كانت قد حظيت في ما مضى بمشروعيّة اجتماعيّة. وقد ظهرت منذ القرن القرن التّاسع عشر مشاكل غير معهودة قامت بزحزحة حدوده، وساهمت في بروز أشكال جديدة له، اعتبرتها المؤسّسة القضائيّة عنيفة: تعنيف الأطفال والعنف الأسري، العنف في المدارس، العنف الذي يطال الشغّالين... وتطوّرت تبعا لذلك وسائل مواجهته، فظهر مفهوم الضحيّة مثلاً، الذي لم يكن في ما مضى وارداً في توصيف المتضرّرين من أعمال هذا العنف، واكتسب القانون الجزائي تبعاً لذلك صلاحيّات جديدة، ووسّع من دائرة سلطاته، في مجتمعات غدت محكومة بتشريعات تحفظ حقوق الأفراد، كما أدّت شراسة العنف الذي رافق حروب القرن العشرين إلى بروز معالجات قانونيّة خاصّة، وتأسيس محاكم جديدة لهذا الغرض.

  • لوحة «مبارزة بالهراوات» فوق رمال متحرّكة لـ«فرانسيسكو غويا»
    لوحة «مبارزة بالهراوات» فوق رمال متحرّكة لـ«فرانسيسكو غويا»

عن شرعيّة العنف
تتعدّد وجهات النّظر حول مدى مشروعيّة العنف، فقد تكون الأشكال المختلفة للعنف حسب الآراء، مشروعة أو غير مشروعة، مبرّرة أو غير مبرّرة، كما غدا من الممكن تبرير الإكراه الذي تمارسه الدّولة «استخدام الشّرطة والجيش»، واعتباره ضروريّاً لمواجهة الجريمة، فيما سيتمّ بشكل عكسيّ تبرير العنف الثّوري للمضطهدين ضدّ الدّولة، وما رأى فيه ماركس وإنجلس «الأذرع المسلّحة للبورجوازيّة»، وكذا الشّأن بالنّسبة للعنف الهيكلي أو الرّمزي (العنصريّة الهيكليّة، التي تبرّر في نظر «الفهود السّود» بالولايات المتّحدة تشكيل ميليشيات للدّفاع الذّاتي)..(..)

العنف.. القوّة.. العدل
وعامّة ما يكون العنف مقترناً بوجود القوّة، ويثير بالتّالي تساؤلات عن مدى مشروعيّته وقدرته على تحقيق العدل، ففي قول مأثور ورد في كتاب «خواطر»، كان بِليزْ بَسكالْ قد وضّح تلك العلاقة بين العنف والقوّة والعدل: «إنّه لمن المشروع أن يكون الحقّ متّبعا، كما إنّه لمن الضّروريّ أن يكون من يمتلك القوّة كذلك، فالعدل بلا قوّة يكون عاجزاً، والقوّة بلا عدل، تكون استبداديّة، كما أنّ العدل بلا قوّة يغدو محلّ معارضة وإنكار من قبل الدّنيئين والماكرين، فيما تكون القوّة غير المقترنة بإقامة العدل، محلّ اتّهام ومحاكمة.. ينبغي حينئذ أن نجمع بين العدل والقوّة، وأن نعمل على أن يكون الحقّ قويّاً، أو أن يكون ما هو قويّ.. عادلاً، فالعدل يكون محلّ تنازع، والقوّة سهلة التّمييز ولا تثير تنازعاً.. هكذا لم يكن بالإمكان منح العدل ما يحتاجه من قوّة، لأنّ القوّة تتعارض مع العدل وتقرّ بأنّها غير عادلة، وإن ادّعت بأنّها هي العادلة..

بِليزْ بسكالْ
هكذا، وطالما أنّه ليس بإمكاننا إتيان ما هو حقّانيّ، نكون قد عملنا على أن يكون من هو قويّ.. كذلك، فنغدو بذلك عاجزين عن تحصين العدل، ونميل حينها إلى تبرير القوّة، حتّى يتلازم الحقّ والقوّة، ويكون السّلام مع حاكم خيّر.

ماذا عن أصول العنف؟
«العنف.. هو أن يعامل المذعن لإرادة خارجيّة وكأنّه شيء من الأشياء».
(سيمون فيل)
لقد اعتبر أرسطو وهو «يعارض بين الحركة العنيفة القائمة على الإكراه.. والحركة الطّبيعيّة»، «أنّ العنف هو كلّ ما يتأتّى من الخارج، ويتعارض مع النّبض الباطني للطّبيعة».
وإن كان أغلب المفكّرين ينبذون العنف باسم الدّفاع عن حرمة الأفراد (سارتر، آلان..)، أو من منطلق الدّفاع عن حقوقهم المدنيّة (كانط، ديرّيدا، آرندت)، فإنّ بعض الفلاسفة مثل ماركس وإنجلس ونيتشه وهيغل، شدّدوا على الدّور المحرّك للعنف في تقدّم المجتمعات وتطوّر العلاقات البشريّة، بل إنّ سارتر يرى أنّ وجود الآخر ذاته، هو في جوهره وجها من وجوه العنف، طالما أنّ هذا الآخر يكون حاملاً لنظرة أنطولوجيّة عنّي، غير أنّ ذلك العنف يسمح لي مع ذلك، بالدّخول في حالة تواصل مع الآخرين، أمّا بالنّسبة لماركس، فإنّ ذلك العنف يساعد على انبثاق مجتمع جديد، وفي زعزعة العلاقات القائمة بين طبقاته، فيما يرى ماكس فيبير العنف ضروريّاً كيما تمارس الدّولة سلطتها.(...)
فلسفة العنف
«ثمّة حالات يغدو العنف فيها الوسيلة الوحيدة لضمان العدل الاجتماعي».
(إيليوت)

ماكس فيبير
لقد أسهب عديد الفلاسفة في الحديث عن هذا الموضوع، ومن هؤلاء ماكس فيبير الذي اعتبر أنّ كلّ دولة تمتلك حقّ الاستئثار بعنف ماديّ مشروع، ويجد ذلك العنف ترجمته في تجاوب منظوري الدّولة معه، طبقا للتّقاليد السّارية أو تعلّقا بالمساواة، ليكون لهذه الأخيرة وحدها الحقّ الشّرعي في ممارسة العنف على ترابها، سواء بالاعتماد على القوّة البوليسيّة والعسكريّة، أو باللّجوء إلى وسائل الرّدع القانونيّة، وطبقاً لهذا المفهوم كانت الدّولة الحديثة قد تأسّست تاريخيّاً على تجريد الجماعات الأخرى (الإقطاعيّة وغيرها)، من منازعتها حقّ استعمال العنف لصالحها أو لتطبيق العدل. غير أنّ ذلك الاستئثار سوف يظلّ محلّ نقض ومراجعة، من قبل التّنظيمات الإجراميّة مثل المافيا، أو المجموعات الثّوريّة المتمرّدة.. إلخ. ثمّ.. إنّ العلاقات الاجتماعيّة عامّة ما ستتطوّر في إطار علاقات قوى مستبدّة، غالباً ما تجد ترجمتها في قوانين عشوائيّة، وفي إقامة مؤقّتة لوضع مؤسَّسٍ على ذلك العنف الأصلي.

ميشال فوكو
وقد أوضح ميشال فوكو طبيعة ذلك العنف، المؤَسّس على أشكال من القمع تمارسه الدّولة، أمّا بيير بورديو، فقد بيّن أنّ العنف الرّمزي يتمثّل في سيطرة قد تكون مشروعة أو غير مشروعة لفرد ما على آخر، يتأذّى منها أحد الطّرفين.. 

جاك ديرّيدا
ويقول جاك ديرّيدا في هذا الشّأن «كلّ الدّول القوميّة.. تنشأ وتتأسّس على العنف، وتلك حقيقة لا يمكن برأيي الطّعن فيها، وفي هذا الخصوص، ودون التّلويح بمشاهد شنيعة، تكفينا الإشارة إلى لحظة التّأسيس، هي لحظة سابقة للقانون أو للشّرعيّة التي يقيمها، التي تكون بالضّرورة خارجة عن القانون، وتبعاً لذلك.. عنيفة». (...)

الأكثر قراءة
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2021©