الإثنين 6 ديسمبر 2021
أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
ثقافة
اللغة العربية وتعزيز التواصل الحضاري
خلال توقيع اتفاقية الشراكة مع معهد العالم العربي
الخميس 25 نوفمبر 01:38

بقلم: د. علي بن تميم
اللغة العربية كانت وستبقى اللغة الحية المتجددة التي تحمل عنواناً حضارياً ترقى من خلاله في علاقاتها مع الآخرين، وتوجد الروابط التي تلتقي عبرها مع ثقافات العالم؛ لبناء منظومات معرفية عالمية شاملة تعمل في إطار رؤى مشتركة تجتمع من خلالها العقول؛ لابتكار كل ما من شأنه خدمة الإنسانية. ولقد كانت العلاقات الثقافية بين دولة الإمارات وجمهورية فرنسا، ومنذ تأسيس دولة الاتحاد على يد الأب المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان «طيب الله ثراه»، نموذجاً لهذا التلاقي الحضاري الذي انطلق من الأسس والمبادئ التي تقوم عليها الدولتان، والتي ترسخ قيم التسامح والتعايش والسلام والمحبة، التي كانت ركيزة من أهم ركائز التواصل للبلدين في علاقاتهما مع مختلف دول العالم. ومن هنا فإن العلاقات المعرفية والثقافية بين الجانبين، شكّلت اللبنة الرئيسة في نسيج هذا النموذج الاستثنائي للعلاقات المشتركة بين الدول، الذي نرى اليوم معالمه واضحة على أرض الواقع من خلال المشاريع والمبادرات المشتركة، والصروح الثقافية والعلمية الموجودة على أرض الإمارات، والشاهدة على عمق هذه الروابط؛ من «متحف اللوفر» إلى «جامعة السوربون» إلى معاهد تعليم اللغة الفرنسية المنتشرة في دولة الإمارات، وغيرها الكثير من المبادرات المثمرة التي حققت نتائج إيجابية في دعم المشهد الثقافي في الدولة، وترسيخ حضوره العالمي.
ولعلنا جميعاً نتفق على أن عملية بناء الشراكات، وتعزيز أُطر التعاون بين الثقافة العربية وجميع الثقافات الأخرى، هي أمثل سبيل للتواصل بين الشعوب، وأداة فعالة للتعريف بقيم هذه الثقافة الأصيلة ومبادئها الإنسانية، التي شكلت بإرثها العريق النهج الذي تتبناه دولة الإمارات في علاقاتها مع مختلف دول العالم، والتي وضعت لأجله الكثير من الخطط والمشاريع.
ويأتي «مركز أبوظبي للغة العربية» بأهدافه الإستراتيجية، والمبادرات والبرامج التي يعمل عليها على المستويات المحلية والإقليمية والعالمية، ليُسهم في تحقيق هذه الرؤية وتنفيذ توجيهات قيادة دولة الإمارات ورؤية إمارة أبوظبي، عبر بناء الشراكات العالمية لتعزيز التواصل الحضاري؛ من خلال توظيف اللغة العربية، التي كانت على مر التاريخ لغة التسامح والعلم والمعرفة.

  • مبنى معهد العالم العربي بباريس
    مبنى معهد العالم العربي بباريس

واليوم تلتقي ثقافتنا مع الثقافة الفرنسية مجددًا، ومن خلال الشراكة مع معهد العالم العربي في باريس، لتواصل مسيرة العمل المشترك؛ لتقديم منظومة ثقافية تلتقي فيها الجهود للتعريف بالعربية لغةً للسلام والأخوة الإنسانية، مثلما انطلقت من الجزيرة العربية إلى جميع أنحاء العالم، وكانت اللغة التي اجتمع على مكانتها والحرص على تعلم علومها وآدابها ومعارفها الكثير من شعوب العالم في أيام حضارتها.
وستشكل هذه الشراكة، وبكل ما تحمله الكلمة من معنى، محطة جديدة بارزة ضمن محطات التعاون الثقافي الإماراتي الفرنسي، الذي يهدف إلى إيجاد نماذج عمل عالمية، من شأنها تبني رؤى جديدة ترسخ من خلالها مكانة اللغة العربية وتعزز انتشارها ووصولها إلى غير الناطقين بها.
وهذه الشراكة، وبما تتضمنه من إطلاق مبادرات، وتنظيم فعاليات ومسابقات، وإعداد التقارير العلمية المتخصصة عن حالة اللغة العربية، ودعم المواهب، هي تجسيد عملي لإستراتيجية المركز الطويلة الأمد، والتي نعمل من خلالها على التعاون مع المؤسسات الثقافية والمعرفية المرموقة حول العالم، والتي يُعد «معهد العالم العربي في باريس» أبرزها، إذا ما نظرنا إلى جهوده في تكريس الثقافة العربية، وإقامة حوار حقيقي بين المنطقة العربية وفرنسا وأوروبا عبر المشاريع الثقافية والتعاون مع المفكرين والمثقفين العرب، ومبادراته المبتكرة في تعزيز الانتشار والإقبال على اللغة العربية، ولاسيما «شهادة الكفاءة الدولية في اللغة العربية»، التي تُمنح للأفراد والمؤسسات بعد الخضوع لاختبار علمي لتقييم كفاءاتهم في الفهم والتعبير باللغة العربية.
هذه الجهود، التي تلتقي مع جهود «مركز أبوظبي للغة العربية»، وتدعم السعي الحثيث للنهوض بلغتنا العربية في المجالات التعليمية والثقافية والإبداعية، وتعزيز حضورها كلغة عالمية بين اللغات الأخرى، ستفتح الآفاق أمام صياغة وتوفير برامج مهمة تسهم في تمكين العربية وفق رؤية منهجية.
فاستعادة اللغة العربية مكانتَها التاريخية، يتطلب رؤية استشرافية، وإطلاق مبادرات مبتكرة متجددة تواكب متطلبات العصر، وتستفيد من جميع الإمكانات التي توفرها التطورات من حولنا، ولاسيما التطورات التقنية التي هي المحرك الرئيس لأي نجاح في وقتنا الحالي. لأن العربية لغة حيوية ومتجددة على الدوام، والآن هو الوقت الأنسب لاستعادة مكانتها؛ لتكون مصدر فخر واعتزاز لأبنائها والناطقين بها.

رئيس مركز أبوظبي للغة العربية

الأكثر قراءة
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2021©