الإثنين 6 ديسمبر 2021
أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
ثقافة
رحلة السويدي.. على خطى المايدي بن ظاهر
صورة تخيلية لـ«بن ظاهر»
الخميس 25 نوفمبر 01:38

فاطمة عطفة

يظل التواصل بين الشعراء علاقة روحية تتجاوز حدود الزمان والمكان والكلمات التي نعرفها إلى لغة كونية، تعبّر عنها مشاعر الإلهام والمحبة والتقدير، خاصة حين تتباعد التجارب والأجيال والبلدان.. هذا التواصل الوجداني يتجسد بين الشاعر محمد أحمد السويدي وشاعر اليابان ماتسو باشو وشاعر الإمارات المايدي بن ظاهر، فهو أشبه ما يكون بالتأملات الصوفية التي تبثها أمواج الأثير الخفية. 
يتابع السويدي: أدرت دفة قاربي إلى رأس الخيمة، وملأت أشرعته بالريح، حيث الشمس المشرقة تومئ إليّ على شواطئ جلفار والرمس والندود والدربحانية والخور الممتد بين المدينة القديمة والمعيريض، ومن العاصمة أبوظبي إلى الخرّان (في رأس الخيمة) ساعات تربو على الثلاث، تبعد عن مرقد أحد ملوك القريض الذي ما زالت كؤوسه تدور «فيسهر الخلق جرّاها ويختصم».

«ذاك هو القبر»
ويواصل تصوير المكان، موضحاً: دلفنا يمنة بعد دخولنا المدينة وسرنا في شارع رئيس باتجاه الخران، ثم آخر فرعي، وفي مقبرة صغيرة قديمة مسوّرة بدت قبور معظمها بلا شواهد، وبضع غافات معمّرة، وهناك في الجهة المقابلة للباب الأخضر الصغير وقف شاهدان، أشار الصديقان أحمد العسم ووليد الشحي: «ذاك هو القبر». خلعت نعليّ وسرت مخففاً الوطء على أديم الأرض لا تبركاً واحتراماً فحسب، بل لكيلا يستيقظ النائمون، فهتف بي هاتف، يقول: ونلقى حفرة غبرا المجال- جزى الله من يودّيها السلام.
فقلت: السلام عليك يا صاحب القبر، أفتقد شخصك أيها الأمير، وأطلبك فلا تزيدني الدنيا على العدم: ولو دوّرت في طول الزمان - فلا يوماً أراك ولا تراني.
ثم يقف السويدي لدى القبر ويقرأ الفاتحة، وقد انضم إليه المصوّر راجا والسائق شعيب، ووقفت البنتان اللتان آثرتا زيارة الشاعر (مها وشمّا) على بضع خطوات من القبر، ويخاطب المايدي هامساً: إن عزّت رؤيتك أيّها المعلم الكبير، فأنت الغائب الحاضر، الماثل بوصفك الجزل وحكمتك السائرة وفلسفتك العميقة، أحدّق بالقبر وأتلمّس التربة، وأتساءل: أهذا هو المكان الذي اخترته ليوارى فيه الجثمان خوف البلى، فقد أثر عنك ذلك: «ما بين سيح وساحلن منقادي- هناك وين العين طاب منامها».

  • خلال زيارة قبر بن ظاهر
    خلال زيارة قبر بن ظاهر

وهنا يتساءل الزائر: «هل هذا هو البيت الذي أردت بقولك: لي بيت في البيت الكبير الواسع - لك بيت حقّن ما يزيد اذراع/ لنسان يفرح عند هبطت بيته - وإذا هبط بيت التراب ارتاع/ وحطّوا فوقهم متعاتبين- اثنين ما يعرفون الكلامي».
ويتابع قصة ما جرى على الموقع من تحولات، قائلاً: أفادني أحمد العسم بأنّ حاكم البلاد قد أمر بتسوير المقبرة لأنهم كانوا قد همّوا برصف شارع يمرّ على القبر وحسناً فعل، ولكنني ما زلت ممتعضاً لحال المقبرة المخبوءة في مكان لا يعلمه الناس، فليس ثمة لوحة إرشادية أو إشارة أو كتابة على قبر الشاعر.. وكنّا نتجاذب أطراف الحديث في صباح بهي إذ ناحت ورقاء فالتفتُّ لأدرك مصدر الصوت ولكنني أخطأته، قلت: أكانت الورقاء وهماً أم هاتفاً أم تلك التي وصفتها بقولك: وينوح بها ورقن لكن حسوسه - حريمن لفاها علم سوّن يذورها.
وأمام جلال الموقف، كان الصمت مطبقاً لولا النسائم العليلة يرسلها ساحل المعيريض والمدينة القديمة والخور بينهما.. جالت كاميرا (راجا) تلتقط الصور التذكارية، وفي هذا الموقف المهيب شعر الزائر كأن المايدي يبوح له بسر «تزّهي لنا من جهلنا باتشّلنا - وترمي بنا من ظهرها في قبورنا».
ونتابع الرحلة معه: أتمتم ببعض سور القرآن على أرواح الآباء والأجداد، وأتأمل كم هي بسيطة كلماتك وشجية في آن.. في فلسفة الحياة والموت ولكن آه! ما أسمى اللغة بل هذه الخاتمة في أبياتك التالية: «أرى الدنيا ممرّ بلا مقرّ- وأرى الأرواح آخرها الذهابي/ وتاليت الحياة إلا الممات - وتاليت الممات إلا الحسابي/ ثلاثن ما أرى عنهن مطاف - مؤرختن بآيات الكتابي».
ويستحضر الشاعر السويدي لمحات من الذكريات: حضرني الجدّ خليفة -رحمه الله- كنت غضّاً عشيّة أغدقت مخايل السماء بمطر غزير، كنّا هُجّدا، وفي فجر ذلك اليوم اصطحبني للصلاة، وعند عودتنا جلس لتناول قهوته الصباحيّة وتأمل متهللاً وجه السماء. في الصحراء يبعث مشهد السحب في النفس فرحاً يصعب وصفه.. إنني لن أنسى الابتسامة التي لم تفارق محيّاه، ردّد جدّي جذلاً «سمعت بهدهدٍ في هدو ليل- تحايا به قليب المستهامي/ كشفت إلحاف مضفيّ اللّفاف - نظرته عقب ما طاب المنامي/ ترى هذا مشعّ وذا مفعّ - وساقه مشمعن ساق الظلامي/ إلى من إضربه عصف الرياح - دنا من رعدها عالي النهام/ سرى شروى رفيف المطربين - مزاره دار شوقي كل عامي».

سيّد المجالس
كان ذلك أول عهدي بابن ظاهر، وكان عليّ أن أسأله عن بعض المفردات ليتسنى لي سبر المعنى فانشرح صدره لذلك، لعلّ تلك المناسبة كانت أول عهدي بالشعر.. لا أنسى الوديان التي بعثتها تلك الأمطار، ولا الغدران في ذلك الموسم في المويجعي، لا يفوّت الوالد أحمد -حفظه الله- فرصة اصطحاب الأسرة في نزهة بريّة، حيث الكثبان الذهبية النديّة بالمطر تبعث رائحة ذات عبق خاص ويتوقف بنا عند غدير تصفقه النسائم. «وتلقى مغاني السيل في وأكد الحيا - تهادى مهاداة اليران الزاد/ تعنى له البدوان من قاصي المدا/على نعت ليدي والعيون أرصاد».

  • محمد أحمد السويدي
    محمد أحمد السويدي

ثلاثة قرون مضت وأنت سيّد المجالس، ما زلت تدير قهوتك على مريديك وعشّاق أدبك في القصور، كما في الخيام ثلاثة قرون ونيف وأنت أنت.. من ألم بمعانيك ووصفك كترحابك بالحبيب عندما تقول «هلا باليمل والذي يا عليه - ولو كان ما نالني منه نيل/ وعقلن رجا من عدوّن يعفّ - أنا آقول هذاك عقلن هبيل/ ومن حمّل البارات يوم خواهر- يتعب نهار الخبّ في نيّالها/ ولي ما تغاضا عن خطايا رجاله - شكا الضيم مهضومن بغير ارجال».
ومن ألهمك النونيّة التي زيّنت بها وطنك كما ازدان وطنك بك أيها الوطن، إذ تقول «ورويت لرض من شرقن وغرب - واسقت كل ما حازت عماني/ من فيوي الينوب إلى الشمال - من الظفرة إلى سيفة دهاني/وروي الرمل مع سيح الغريف - ووادي المكن داناه المداني/ على نزوه وما حاز الهباب - ووادي الجرن واسقانا زماني/ على رمل الحويمي والغدير - وسيح اليلح مخضرّ المباني».
ويستمر السويدي باستحضار الذكريات العزيزة: رحم الله الشيخ زايد، كم أحبك وأحب الأرض والناس والنخيل، كان -رحمه الله- يلهج بأبياتك ويحفظها عن ظهر قلب، وطالما ردد شعرك وكم فتنه وصفك «هزّاع روس النايفات إلى لفا - مدري متى حداهن المطلاع/ أو ناعشاتن في هوى زي الغنا - يلعبن كشفاتن بغير اجناع/ تطيب المفالي من أول وتالي - وطاب الزلالي عمار النخيل/ إلى زلّ من موسم الصيف شهر- تناسع ذراها بطلعن ثليل/ حسينن فقا بين قلبن وكرب - ومن له نظيرن لقاح العطيل».

 

شِعرك المحيط ونحن الموجة
بقي أن أضيف شيئاً للدلالة على المحبة التي أسبغها الله عليك.. يقول جلال الدين الرومي «إن متنا، لا تبحثوا عنّا في المقابر بل في قلوب الناس»، وأقول لك أيها الشاعر الكبير: إنَّ لي أمّاً -رحمها الله- إن برّح بها العياء كانت كلماتك التالية شفاءها «ولا تايس الأرض الكسوح من الحيا - فكم داثر الوديان سيّل عتادها/ ولا تيّس أرواح المراضا من البرا - ولا الصحّ ينجيها إذا جا نفادها».
وهكذا تصل رحلة الشاعر محمد أحمد السويدي إلى ختامها بزيارة المايدي بن ظاهر: أقف على قبرك أيها الماجد مناجياً، وأقول: شِعْرُك سجّادة رفيعة نسيجها نحنُ أبناء الإمارات أو شِعرك المحيط ونحن الموجة، لا ندرك كنهه لكنه موجود، بل هو الوجود لا نملك الخلاص منه لأنه نحن.. أقف على قبر المايدي (بن ظاهر) لا أجزم أنه قبره، ولكن كما قال متمم بن نويرة الشاعر «أمن أجل قبرٍ بالملا أنت نائح - على كل قبرٍ أو على كل هالكِ/ فقلت له: إنّ الشجا يبعث الشجا - فدعْني فهذا كله قبرُ مالكِ».
فالسلام عليك يا صاحب القبر يوم أتيت ويوم قضيت ويوم تبعث حيّاً.

الأكثر قراءة
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2021©