السبت 26 نوفمبر 2022 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
ثقافة

د. عبدالله الغذامي يكتب: متعة الكذب على النفس

د. عبدالله الغذامي يكتب: متعة الكذب على النفس
29 يناير 2022 02:00

هُناك لحظات يضطر المرء فيها أن يكذب على نفسه تلك هي اللحظة التي يقرر فيها الاحتجاج على الحقيقة، والحقيقة البحتة غالباً جافةٌ وقاسية وغير محايدة، إما لفرح مطلق أو لقنوط صادم، ولذا تأتي الكذبة الذاتية هنا لتكون مثل التفكير الرغبوي الذي يجعل الرغبات أفكاراً تعيد ترتيب الواقع حسب هوى النفس، فتستأنس الخيبة وتكسر التوتر والتوجس، وهي البديل للحقيقة الجافة أو للخبر غير المرغوب فيه، وهي حال مرت على المتنبي كما في بيته:
طَوى الجَزيرَةَ حَتّى جاءَني خَبَرٌ
فَزِعتُ فيهِ بِآمالي إِلى الكَذِبِ
والكذب على النفس هنا هو الحل الأقرب لمواجهة الصدمة ريثما تتهيأ النفس لتقبل الحالة المرة، وهذه حالة في منتهى العقلانية لأنها تنطوي على وعي مختلف يناقض الحقيقة بقصد وجداني وتوجيه نفسي، لأن الحقيقة تتطلب شروطاً لم تك النفس مهيأةً لها، وقد تتخذ المعاني صيغاً احتيالية لتسمية الكذب على النفس مثل قول الشاعر:
منى إن تكن حقا تكن أحسن المنى
وإلا فقد عشنا بها زمناً رغدا
والأماني، هي كذبات صغيرة يرشو المرء بها نفسه لتعيش عبر التمني لبعض لحظات هي إجازات روحية عن خيبة الأمل، وما دامت النفس تمني ذاتها فستتحرك نحو أفق التفاؤل، ولذا نلجأ إلى هذه اللحظات لتكفينا هم التوتر واليأس، وقد جرّب المتنبي حال الكذب على النفس كثيراً مع تقلبات حياته المضطربة أصلاً في كل أطوارها ومارس ذلك عبر التفكير الرغبوي، كما أشرنا، وكذلك عبر حيلة الأسئلة:
نحن أدرى وقد سألنا بنجدٍ أطويلٌ طريقنا أم يطولُ
وكثيرٌ من السؤال اشتياقٌ وكثيرٌ من رده تعليلُ
فالسؤال عنده تعليل أي ترديد للسؤال نفسه دون طلب للجواب، وكلما ظل السؤال حياً ظلت النفس معه مشرئبة وسيهون عليها الطريق الذي يزداد طولاً، بل إن الطول نفسه يطول زيادةً على طوله وبذا يتمدد التشوق وتبقى النفس معلقةً بوعد كلما اقترب ابتعد، وهنا يتحوّل الطويل من طريق شاق إلى طريق معمور بالأمل ومفروش بالرغبة والتوق، وتتكرر الفكرة مع أغنية فيروز بأغنيتها:

تعا ولا تجي وكذوب عليّي
الكذبة مش خطيّة
وعدني أنّو رح تجي
وتعا.... ولا تجي «كلمات الأخوين رحباني».
تلك هي واحدة من المتع المسروقة من رحم الوجع، ومعها تأخذ الحياة صيغها مع تقلب الظروف والأحوال، وكلما اكفهرت أحد الوجوه تبسم عن كذبة تبتكرها الحيل الوجدانية في تخفيف أحوال المعاش البشري، وقد يخط على الرمل أو يرسم في الخيال أو يبتكر حكاية وهمية توهم بالفوز وهو فوز للنفس إذ تظفر بلحظات من السعادة المخطوفة من رحم الوجع والتمني والتأمل بمعنى استجلاب الأمل وتصيده عبر الخواطر التي تخطر ملوحةً بانبثاقة نور وصفها بدر بن عبد المحسن بقوله:
أقبل على السيف وجلس يخط في الرمل بعصاه
وخذا من الغربي نفس ريحة زهر نجدٍ في هواه
وهو هنا يستخدم الخط على الرمل ويفعل ذلك ليمني نفسه بهوى نجد، حيث يرسم نجده المتمناة على الرمل ليوهم نفسه أنه في نجد رغم بعده في حال من الغياب يحتاج معها لابتكار حال من الوصل يكتبها السيف إذ عز على القلم فعلها، وهنا تكذب النفس على نفسها لتصنع صدقها الخاص الذي يعوضها عن الحقيقة الغائبة.

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©