السبت 3 ديسمبر 2022 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
ثقافة

د. عبدالله الغذامي يكتب: تهشم الفردانية

د. عبدالله الغذامي
18 يونيو 2022 01:36

كان المظنون والمأمول في النظرية الليبرالية، أن الفردانية مكسب ثقافي وعقلي، تحقق للفرد الخلاص من الهيمنة وتجعله في مقام الحر في عقله وفي مسلكه الذاتي، غير أن الواقع يتكشف عن وهم كبير تحت عنوان الفردانية والحرية، والحالة الإنسانية في التجارب الغربية تكشف عن حال الانعزال والغربة الذاتية وجداناً وعقلاً بين أفراد المجتمع، ووقعت حوادث محزنة بسبب الفردانية المغالية في فردانيتها، والضحية دوماً هي فكرة السعادة والطمأنينة التي يحتاجها الكائن البشري وحين فقد خليته الأولى التي هي خلية العائلة ظل يبحث له عن عائلة بديلة تتمثل في النقابات والجمعيات والتنظيمات بأنواعها، ولكن هذه ظلت من نوع العائلة العقلانية ورابطها وجود مصلحة مشتركة سياسية كانت أو مهنية أو رابطة أيديولوجية من نوع ما، وهذه لا تسد حاجات الروح والوجدان وإن سدت حاجات تنظيمية ولكن يتبقى الحس الذاتي بالسلم والطمأنينة الروحية، ومع هذه الانكسارات الناتجة عن الفردانية ظهرت الهويات الجذرية لتجمع كل فئة ذات هوية مشتركة عرقاً أو معتقداً أو لوناً، وأصبحت هذه مكونات انتماء معلول، لأنه انتماء ناتج عن اللاانتماء، أي أنه حالة انفصال عن التيار العام بسبب حس بالحرمان والتهميش فلجأ الأفراد للاعتصام بهوياتهم الجذرية أو صناعة هوية جديدة ذات معنى جذري، كما حصل في «الشعبوية» التي تقوم على إنكار مواطنة الآخرين المختلفين لوناً أو عرقاً أو ديناً، ومن ثم حصر المواطنة في هذا التيار الشعبوي وحدهم، وهذه كلها لأن الإنسان يحتاج للعيش في خلية يشعر أنها تخصه وتحتضنه، بينما يشعر أن الفردانية تتركه معلقاً في فراغ روحي ونفسي، فيطلب له حضناً يحتضنه، فإن لم يكن الحضن طبيعياً كالعائلة مثلاً بحث عمن يشبهونه بأي صفة عامة مشتركة وانضوى في ظلهم ليجد لنفسه موقعاً معنوياً يحيل إليه ويرجع إليه في سياقه الذاتي والاجتماعي، وهنا تظهر عيوب الفردانية رغم مثاليتها التي سيتكشف أنها مثالية خداعة، لأن الإنسان مجبول على نظام الخلية وإن لم يجد خليته بتلقائية لجأ لصناعتها والانضواء تحتها ليجد له عيشاً وعشاً يأوي إليه.
وقد تعرضت الفردانية لتحولات كبرى في العصور الحديثة، حيث ذهبت الماركسية لدفع الفرد كي يكون مجرد عضو في مجتمع شمولي تقوده نظرية شاملة يتساوى فيها الكل مع الكل، وتكون السعادة هنا معنى عملياً ذا بعد اجتماعي يوفر كل احتياجات الفرد دون تنافس فرداني.
وسيكون التنافس الفرداني معنى رأسمالياً ليبرالياً يجعل قيمة الفرد تعود لمهاراته في التنافس وتحقيق الكسب الذي يخصه، ولكن الذي جرى هو أن العدالة والسعادة معاً تعرضتا لانكسارات عميقة بما أن ركني العدالة هما الحرية والمساواة، وسترى الماركسية أنها حققت المساواة بين الأفراد ولكنها حرمتهم من الحرية بينما حققت الرأسمالية الليبرالية الحرية الفردية بأقصى فرصها، لكنها ضحت بالمساواة لأنها اعتمدت التنافسية وهي تعني أن من لم ينجح تنافسياً، فسيكون على هامش الحدث، مما جعل الأغنياء يزدادون غنىً، بينما يزداد غير المحظوظين حرماناً، وهنا يقع الفرد في النظريتين «الماركسية والليبرالية» ضحيةً لظروف تعاكس نظرية الوازن المجتمعي بين التآزر والتفاعل الإنساني وليس التفاعل المبرمج في نظريات تفرض شروطها وليس شروط التوازن البشري بين الفرد وخليته.

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©