الإثنين 15 أغسطس 2022 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
ثقافة

د. عبدالله الغذامي يكتب: الشعر بوصفه حصانة

د. عبدالله الغذامي يكتب: الشعر بوصفه حصانة
6 أغسطس 2022 00:32

بلغت درجات المعنى القيمي للشعر والشاعر في الثقافة العربية مبلغاً متعالياً، فالشعراء كما وصفهم الخليل (أمراء الكلام يصرفونه أنى شاءوا ويجوز لهم ما لا يجوز لغيرهم من إطلاق المعنى وتقييده، ومن تصريف اللفظ وتعقيده، ومد المقصور وقصر الممدود والجمع بين لغاته والتفريق بين صفاته، واستخراج ما كلت الألسن عن وصفه ونعته، والأذهان عن فهمه وإيضاحه فيقربون البعيد ويبعدون القريب، ويُحتج بهم ولا يُحتج عليهم ويصورون الباطل في صورة الحق والحق في صورة الباطل) وهذا تنزيه لمقام الشعر ليمنح صاحبه حصانةً معنوية تصل لدرجة الحصانة القانونية والأخلاقية وستجد حتى الفقهاء يقولون شعراً ما لا يقولونه نثراً، ودرجة التحصين تبلغ حد التمييز الطبقي ثقافياً، فالشعراء فحول وهم طبقات في الفحولية، ومهما هجا الشاعر فإنه لا يؤاخذ على بذاءة قوله ولو قال القول نفسه في كلام منثور لوجبت عليه المساءلة، وقليلةٌ جداً أمثلة المحاسبة على الشعراء وربما يكون الحطيئة استثناءً لأن الذي اشتكى منه شاعر مثله هو الزبرقان ومن أفتى ضده شاعر أيضاً (حسان بن ثابت) وكأن الاثنين نفيا عن قوله وصف الشعرية أولاً ثم حـولا قوله لأمـر غيـر
شعري، وتظل هذه قصة نادرة، وندرتها تعزز حال الحصانة الشعرية، فالحطيئة نفسه لم يتعرض لأي مساءلة عن هجائياته الأخرى غير حادثته مع الزبرقان، وتهاجي الفرزدق مع جرير كان حديث مجالس المربد، بمثل ما هو أحاديث المجتمع حينها، ثم مرويات العصور المتتالية دون حرج أخلاقي أو ديني أو تربوي، بل إن النقائص هي من أهم دروس التعليم الرسمي ودروس التداول الثقافي في الاستشهاد والبحث والدراسات، وظل الشعر هو القناع الثقافي لتمرير المحرمات الثقافية وغير الثقافية وهو نموذج مخاتل لحرية التعبير التي ستكون ممنوعةً في غيره، وهذه حيلة ثقافية ماكرة حيث تتوسل النفس البشرية على قيود الواقع وقوانين الممنوعات، عبر تحويل اللغة إلى خطاب موزون مقفى بلعبة تعاند موزونات المواضعة المؤسساتية والفقهية التي تفتي ضد الغيبة والنميمة والقذف وتدين الآثم باعترافه بالإثم، كما أن الشاعر يستطيع أن يقول ولا يفعل إن هو ساق قوله في وزن وقافية ولكن لو ساقه نثراً لتغيرت الحال، وميزان الحكم سيختلف هنا لمصلحة الشعرية التي تحصن مرتديها بحصانة تشبه الحصانات الدبلوماسية في عصرنا هذا حيث يتعطل فعل القانون أمام شرط الحصانة الدبلوماسية، وثقافياً يقوم شرط الحصانة الشعرية بالدور نفسه، وهذه حيلة نسقية تجيز للشعراء ما لا يجوز لغيرهم.

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©